صبحة بغورة تكتب: الذكاء العاطفي في العلاقات الإنسانية

طريق السعادة
صبحة بغورة

قد يخفى على الكثيرين أن معظم المشاكل في الحياة يمكن حلّها بسهولة لو أن كل إنسان بادر بمنح نفسه فرصة كافية للتأمل بهدوء والتفكير بعقلانية. ولم يُصرّ على تضخيم الأمور الصغيرة وإعطائها حجمًا أكبر مما هي عليه في الحقيقة، أو أهمية تفوق الواقع.

إن من أهم أسباب حدوث الأزمات الاجتماعية الحادة هو عدم إيلاء القدر الكافي من الأهمية لاتباع أساليب معينة. يمكن أن تحقق للفرد التوازن الداخلي والتصالح مع الذات، والانفتاح الإيجابي على المحيط الخارجي من خلال تحقيق القبول الاجتماعي.

وفي مثل هذه الحالة يمنح الفرد أهمية بالغة لإنشاء علاقات اجتماعية فعالة وناجحة، وتأسيس حياة أسرية تنعم بالرفاه والاستقرار.

وهنا يبرز دور الذكاء العاطفي في الاستخدام الذكي للمشاعر. حيث يمكن للإنسان أن يتحكم في عواطفه بما يخدم مصلحته، دون الإضرار بمصلحة الآخرين في محيطه، فيعمد إلى تقويم سلوكه وترشيد نمط تفكيره بطرق متعددة، تجعل شخصيته في النهاية مقنعة ومؤثرة وبنّاءة.

ومن جملة الفوائد التي تتحقق عبر الاستغراق الفكري الواعي والاستسلام الطوعي لإرشادات الذكاء العاطفي. أن يتعرف الإنسان على حقيقة دواخل نفسه، فيتلمس مكامن الضعف فيها ليعالجها، ويقيّم مواطن القوة في شخصيته لتنميتها.

ومن البديهي أن يختلف البشر في الطبائع والأفكار والمعتقدات. وتتباين مهاراتهم وتتفاوت خبراتهم وفقًا لطبيعة توجهاتهم ومساراتهم وحجم تجاربهم في الحياة ومستويات تعاملهم اليومي مع الآخرين.

وانطلاقًا من حتمية وجود هذا الاختلاف تتشكل القناعة بضرورة التواصل، والإيمان بأهمية تبادل العلوم والمعارف لتأسيس التكامل الإنساني في مواجهة التحديات البيئية. بما يجعل الإنسان سيدًا في الطبيعة. وليس هذا من قبيل التضخيم، بل هو وضع الأمور في نصابها الحقيقي.

ومن هنا نفهم أن نجاح الإنسان وسعادته في الحياة لا يتوقفان فقط عند حدود مستواه العلمي أو ما يحوزه من شهادات. فبالرغم من أهمية تحصيل العلم وضرورة التعلم لبناء قاعدة متينة لحياة أفضل. إلا أن ذلك لا يكفي ما لم يكن مصحوبًا بمجموعة من المهارات السلوكية والسمات الشخصية، التي تضفي مجتمعة بريقًا مميزًا وحضورًا لامعًا على صاحبها.

كما تؤهله للصدارة اجتماعيًا، وللريادة مهنيًا، وتمنحه فرص التألق في مختلف المناسبات. ومن هذه المهارات: الذكاء العاطفي.

ويبرز دور الذكاء العاطفي كعامل مؤثر في علاقات الإنسان، سواء مع نفسه أو مع الآخرين. فللذكاء العاطفي، بما يعنيه كعامل داعم لقدرات الإنسان، وظيفة حيوية في تحديد نمط التعامل الإيجابي أو السلبي، وفرص النجاح في نسج العلاقات في مختلف المجالات.

لذا يُعدّ الذكاء العاطفي مهارة أساسية وملَكة مكتسبة لتحسين جميع جوانب حياة الفرد.

فالذكاء العاطفي لدى الفرد يعني قدرته على فهم عواطفه الذاتية، وتفهّم عواطف الآخرين، وإجادة التعامل بناءً على هذا الفهم بطرق إيجابية. لتخفيف التوتر، وإنشاء جسور تواصل فعّالة، والتعاطف مع مشاعر الآخرين وتقدير مواقفهم وتقبّل أعذارهم.

كما يشمل مهارات التغلب على التحديات وتجاوز الصعوبات، ويساعد على بناء علاقات قوية، وتحقيق التفوق الدراسي، والنجاح في العمل، وبلوغ الأمنيات الشخصية والأهداف المهنية.

ومن أهم فوائده أيضًا: تحسين قدرة الفرد على إيجاد الحلول لمشاكله، ورفع كفاءته في حل النزاعات. ما يكسبه تقدير واحترام من حوله، ويعزز ثقته بنفسه.

بينما يساعد صاحبه على بناء علاقات إيجابية متينة مع الأصدقاء وزملاء العمل، بما يساهم في بناء بيئة اجتماعية وعملية منسجمة.

وتنبع أهمية الذكاء العاطفي في ضبط التصرفات السلوكية، وحسن استخدام القدرات الإدراكية في معالجة المعلومات العاطفية. لاستكشاف الضوابط الأخلاقية والقيم السائدة في البيئة الاجتماعية المحيطة.

لذلك فإن الذكاء العاطفي يمكن أن يقي صاحبه حرج السقوط في فخ تناقض حالته المزاجية مع واقعه المتغير. عبر استدراك ما يجب فعله أو قوله بما يتلاءم مع طبيعة الموقف.

ولعل من أكثر المجالات حساسية للذكاء العاطفي هو المجال الدبلوماسي، الذي يتطلب قدرًا كبيرًا من ضبط النفس، وعدم التجاوب السيئ أو التهور مع استفزازات الخصوم، أو الوقوع ضحية للتأثر النفسي السريع بالإثارات السلبية خلال المفاوضات.

فمن الذكاء العاطفي أن يتحكم المرء في أحاسيسه ويخفيها عند الحاجة، ويكبح مشاعره أمام الإساءات، ويتعامل بهدوء في مختلف الأحوال، مع القدرة على الرد الحاسم والحكيم بما يناسب الموقف. أي القدرة على التحكم بالدوافع من جهة، وإجادة إدارة التعاطف من جهة أخرى، دون الإخلال بواجب اتخاذ القرارات السليمة والحفاظ على المصالح.

وعمومًا فإن للذكاء العاطفي دورًا مهمًا في تزكية الفرد عند تقييم أدائه في العمل. إذ يبقى محل أنظار رؤسائه الذين يرون فيه شخصًا يتمتع بقدرة كبيرة على التمييز والتفوق، ومؤهلاً للبروز في مختلف المواقف.

كما يكسبه ملكة الإبداع في بيئة العمل. وأولئك الذين يتمتعون بهذه الملكة هم أصحاب القيادة الإبداعية والتفكير الابتكاري.

الرابط المختصر :