«سيريس».. الكوكب القزم الذي يخفي أسرارًا غامضة في حزام الكويكبات

astrology.com

يعد سيريس (Ceres) واحدًا من أكثر الأجرام السماوية إثارة لاهتمام علماء الفلك؛ فهو أكبر جرم في حزام الكويكبات الرئيس الواقع بين مداري المريخ والمشتري، وأول كويكب اكتُشف في تاريخ علم الفلك.

وعلى الرغم من صغر حجمه مقارنة بالكواكب المعروفة؛ فإنه يتميز بخصائص جيولوجية وتركيبية فريدة. جعلته موضعًا للعديد من الدراسات والأبحاث العلمية، خاصة بعد اكتشاف وجود الماء والأملاح والمركبات العضوية على سطحه.

ويبلغ قطر «سيريس» نحو 945 كيلومترًا، ويصنّف ضمن الكواكب القزمة، وهو أصغر جرم معروف في المجموعة الشمسية يتمتع بشكل كروي نتيجة تأثير جاذبيته الذاتية. وقد كان يعتبر كوكبًا عند اكتشافه، قبل أن يعاد تصنيفه كويكبًا في القرن التاسع عشر. ثم أدرج ضمن الكواكب القزمة عام 2006. وتكمن أهميته في كونه يحتفظ بمواد قديمة تعود إلى المراحل الأولى من نشأة المجموعة الشمسية قبل نحو 4.6 مليار سنة.

اكتشاف «سيريس» وتاريخه

وتعود قصة اكتشاف «سيريس» إلى عام 1801، عندما رصده عالم الفلك الإيطالي جوزيبه بيازي في مرصد باليرمو بصقلية، وتحديدًا في الأول من يناير. وكان «بيازي» يبحث عن نجم ضمن أحد الفهارس الفلكية، لكنه لاحظ جرمًا سماويًا يتحرك ببطء بين النجوم، فاعتقد في البداية أنه مذنب. قبل أن تتضح طبيعة حركته ويدرك العلماء أنه جرم جديد يقع بين المريخ والمشتري.

وجاء هذا الاكتشاف بعد اهتمام العلماء بوجود فجوة كبيرة بين مداري المريخ والمشتري. وهي الفجوة التي دفعت عددًا من الفلكيين إلى البحث عن كوكب محتمل في تلك المنطقة.

وعندما اختفى «سيريس» مؤقتًا عن الرصد بسبب اقترابه الظاهري من وهج الشمس، تمكن كارل فريدريش غاوس؛ عالم الرياضيات والفلك الألماني من حساب مداره والتنبؤ بموقعه؛ ما ساعد العلماء على العثور عليه مجددًا في نهاية عام 1801.

وفي البداية، اعتبر «سيريس» كوكبًا مستقلًا، لكن اكتشاف أجرام أخرى في المنطقة المدارية نفسها خلال القرن التاسع عشر أدى إلى تصنيفه كويكبًا. واستمر هذا التصنيف حتى عام 2006، عندما اعتمد الاتحاد الفلكي الدولي تعريفًا جديدًا للكوكب القزم، فأصبح «سيريس» أحد أبرز الأجرام التي تندرج ضمن هذه الفئة.

This may contain: an old rock is shown against a black background in this artist's rendering image

الخصائص الفيزيائية والتركيب الداخلي

ويتميز «سيريس» بتركيبه المختلف عن كثير من الكويكبات. إذ يتكون من مزيج من المواد الصخرية والجليدية، ويعتقد أن باطنه يضم طبقات متمايزة، تشمل نواة غنية بالمواد الصخرية ووشاحًا يحتوي على الماء والجليد والأملاح.

وتشير الدراسات إلى أن الماء كان عنصرًا مهمًا في تاريخه الجيولوجي. إذ يحتمل أن «سيريس» احتضن محيطًا مائيًا داخليًا في مراحله المبكرة، قبل أن يتجمد جزء كبير منه مع مرور الزمن. ومع ذلك، لا يُستبعد وجود سوائل شديدة الملوحة في بعض طبقاته الداخلية، يمكن أن تتحرك عبر الشقوق والطبقات القريبة من السطح.

أما سطحه، فيتكون من الصخور والجليد المائي والمعادن المائية، بما فيها الكربونات ومعادن الطين الغنية بالأمونياك. ويبلغ زمن دورانه حول محوره نحو تسع ساعات وأربع دقائق. بينما يتميز بميل محوري صغير نسبيًا، الأمر الذي يسمح بوجود مناطق قطبية مظللة بصورة دائمة، يمكن أن تتراكم فيها كميات من الجليد.

This may contain: an artist's rendering of the surface of pluto, with earth in the background

أسرار البقع المضيئة وبخار الماء

ومن أبرز الظواهر التي أثارت حيرة العلماء عند دراسة سيريس ظهور بقع مضيئة على سطحه. ظهرت بوضوح في الصور التي التقطتها المركبة الفضائية «دون». وقد رصدت أكثر من 130 بقعة لامعة في مناطق مختلفة، وكان بعضها داخل فوهات اصطدامية. ما أثار تساؤلات حول طبيعتها ومصدر الضوء المنعكس عنها.

وأظهرت الدراسات أن هذه البقع ترتبط بوجود رواسب ملحية، وخاصة كربونات الصوديوم، التي تعكس ضوء الشمس بدرجة كبيرة. ويعتقد أن هذه الأملاح وصلت إلى السطح نتيجة صعود سوائل مالحة من باطن الكوكب القزم، ثم تبخر المياه وبقاء المواد المعدنية.

ولم تقتصر الاكتشافات على البقع المضيئة، فقد رصد العلماء أيضًا مؤشرات على انبعاث بخار الماء من بعض المناطق. وظهرت مشاهدات لسحب ضبابية داخل بعض الفوهات، يحتمل أنها ناتجة عن تسامي الجليد أو انبعاث المياه من الطبقات الداخلية. وقد عززت هذه الظاهرة الاعتقاد بأن سيريس يمتلك نشاطًا جيولوجيًا داخليًا، رغم انخفاض درجات الحرارة وبعده عن الشمس.

النشاط الجيولوجي واحتمالات وجود الحياة

وعلى الرغم من أن «سيريس» يبدو جرمًا هادئًا من الخارج، فإن سطحه يحمل آثارًا لنشاط جيولوجي معقد. ومن أبرز معالمه جبل «أهونا مونس»، الذي يعتقد أنه تشكّل بفعل نشاط بركاني بارد. حيث تصعد مواد مالحة ومائية من الأعماق وتتراكم على السطح. في ظاهرة تختلف عن البراكين التقليدية التي تقذف الحمم البركانية الساخنة. 

جبل على كويكب.. "أهونا مونس" ما لا عين رأت

من قوس قزح إلى القمم المتحركة.. تعرف على أغرب الجبال فى العالم - اليوم السابع

كما كشفت الدراسات عن وجود مركبات عضوية في بعض مناطقه، إلى جانب الماء والمعادن الغنية بالكربون. وتعد هذه العناصر مهمة لفهم الظروف الكيميائية التي ربما كانت موجودة في المراحل الأولى من تكوّن المجموعة الشمسية.

وقد أثارت هذه الاكتشافات تساؤلات حول إمكانية وجود حياة ميكروبية على سيريس. إلا أنه لا توجد حتى الآن أدلة تثبت وجود حياة عليه. ومع ذلك، فإن اجتماع الماء والأملاح والمركبات العضوية يجعله هدفًا علميًا مهمًا لدراسة قابلية بعض الأجرام الصغيرة لاحتضان ظروف كيميائية مناسبة للحياة.

مهمة المركبة الفضائية «دون» وأهميتها العلمية

وكان للمركبة الفضائية «دون» التابعة لوكالة «ناسا» دور أساسي في الكشف عن أسرار سيريس. فقد انطلقت في سبتمبر 2007، واستغرقت رحلتها نحو سبع سنوات ونصف السنة للوصول إليه، بعد أن زارت الكويكب فيستا ودرسته.

وفي السادس من مارس 2015، دخلت المركبة مدارًا حول «سيريس»، لتصبح أول مركبة فضائية تدور حول كوكب قزم في حزام الكويكبات. واستمرت مهمتها في جمع الصور والبيانات المتعلقة بسطحه وتركيبه وحقله الجاذبي. ما أتاح للعلماء دراسة تضاريسه وفوهاته وبقعه المضيئة بصورة أكثر دقة.

وقد ساعدت نتائج المهمة على تأكيد وجود الأملاح المائية والمركبات العضوية. كما قدمت أدلة مهمة على النشاط الجيولوجي السابق والحالي. وساهمت في تحسين فهم العلماء لتاريخ تكوّن الأجرام السماوية الصغيرة.

أهمية «سيريس» في دراسة المجموعة الشمسية

لا تقتصر أهمية سيريس على كونه أكبر أجرام حزام الكويكبات؛ بل تكمن أيضًا في كونه سجلًا طبيعيًا يحتفظ بآثار المراحل الأولى من نشأة المجموعة الشمسية. فدراسة تركيبه الداخلي وسطحه تساعد العلماء على فهم كيفية تشكل الكواكب وتوزع الماء والمواد العضوية في الفضاء.

كما أن اكتشاف الأملاح وبخار الماء والمركبات العضوية عليه يفتح آفاقًا جديدة لفهم طبيعة الأجرام الجليدية والصخرية. وإمكانية وجود بيئات مائية خارج الأرض.

وفي النهاية، يظل «سيريس» واحدًا من أكثر الأجرام السماوية غموضًا وإثارة للاهتمام. فعلى الرغم من صغر حجمه؛ إلا أنه يحمل في أعماقه أدلة مهمة عن تاريخ المجموعة الشمسية وتطورها. ومع استمرار الأبحاث الفلكية، قد تكشف دراسة هذا الكوكب القزم عن معلومات جديدة تساعد البشرية على فهم أصول الكواكب والماء، وربما الظروف التي تجعل الحياة ممكنة خارج كوكب الأرض.

الرابط المختصر :