قد لا يدرك الشخص الذي نشأ مع أحد الوالدين ذوي السلوك النرجسي حجم الاختلاف بين تجربته الأسرية وما يعد علاقة عائلية صحية إلا بعد بلوغه مرحلة الرشد. فبعض الأنماط التي تبدو طبيعية داخل المنزل خلال الطفولة قد تتضح لاحقًا باعتبارها سلوكيات قائمة على السيطرة أو الإهمال العاطفي أو التلاعب بالمشاعر.
ويصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما يفتقر الوالد إلى الوعي بسلوكه أو يرفض الاعتراف بتأثيره في أفراد أسرته. ومع مرور السنوات، قد يعتاد الطفل على تلبية توقعات والده والسعي إلى الحصول على رضاه. حتى يصبح تأكيد استقلاليته في مرحلة لاحقة مصدرًا للصراع والشعور بالذنب.
رابطة عاطفية يصعب كسرها
من المفاهيم التي تستخدم لفهم بعض هذه العلاقات «رابطة الصدمة» «Trauma Bonding»، وهي ارتباط عاطفي قد يتشكل في العلاقات التي تجمع بين الإساءة وفترات متقطعة من الاهتمام أو المودة. وفي العلاقة بين الوالد والطفل، يمكن أن تجعل هذه الديناميكية الطفل متعلقًا بالشخص الذي يؤذيه، وفي الوقت نفسه منتظرًا لحظات القبول أو الاهتمام منه.

وقد يستمر هذا الارتباط حتى بعد بلوغ الأبناء سن الرشد، خصوصًا عندما يكون تقديرهم لذواتهم قد تشكل منذ الطفولة بناءً على نظرة الوالد إليهم. فيصبح الحصول على رضاه مهمًا، حتى عندما تكون العلاقة نفسها مصدرًا مستمرًا للتوتر والألم.
ولهذا فإن محاولة الانفصال عن هذه العلاقة أو وضع حدود واضحة قد تكون صعبة. فبعض الآباء قد يتعاملون مع استقلال أبنائهم باعتباره رفضًا شخصيًا أو تهديدًا لسلطتهم. ما قد يؤدي إلى تصعيد الخلافات أو ممارسة مزيد من الضغط العاطفي.
بداية التعافي تكون بالاعتراف بالألم
التعامل مع آثار هذه التجارب لا يبدأ بإنكارها أو التقليل من شأنها، وإنما بالاعتراف بالمشاعر التي خلفتها سنوات الإهمال أو الرفض أو العزلة. ومن الطبيعي أن يحتاج الشخص إلى وقت لفهم ما مر به وإعادة بناء صورته عن نفسه وعن العلاقات الصحية.
ومن المهم أيضًا ألا يتحول اللوم إلى الذات. فالطفل لا يتحمل مسؤولية اختلال العلاقة الأسرية. وكان يتصرف في كثير من الأحيان وفق ما يساعده على التأقلم مع البيئة التي نشأ فيها.

ومع التقدم في التعافي، يصبح من الضروري الفصل بين قيمة الشخص الذاتية وبين قدرته على إرضاء الآخرين. فالعلاقات الصحية لا تقوم على الخوف من الرفض أو الشعور المستمر بالذنب. وإنما على الاحترام المتبادل والقدرة على التعبير عن الاحتياجات والحدود.
كما ينبغي الحذر من الانتقال إلى الطرف المقابل تمامًا، أي التحول إلى شخص يسعى دائمًا إلى إرضاء الآخرين. ويتخلى عن حدوده خوفًا من خسارتهم. فالخروج من علاقة غير صحية لا يعني تكرار أنماطها مع أشخاص آخرين.
كيف يمكن وضع حدود صحية؟
تبدأ عملية الانفصال العاطفي بوضع حدود واضحة وقابلة للتطبيق. وقد يكون تقليل التواصل خياراً مناسباً عندما يكون الاحتكاك المستمر سبباً في استنزاف الشخص أو عرقلة تعافيه.
وعند محاولة أحد الوالدين تجاوز هذه الحدود، يمكن تجنب الدخول في جدالات طويلة أو تبرير كل قرار. فالتواصل المختصر والواضح يساعد على منع النقاش من التحول إلى صراع متكرر حول السلطة والسيطرة.

ومن المفيد أيضًا تحديد العواقب مسبقًا والالتزام بها. فإذا تحولت الزيارة أو المحادثة إلى إهانة أو تهديد. يمكن إنهاء اللقاء أو المكالمة بدلًا من الاستمرار في التفاعل مع السلوك المؤذي. الأهم أن تكون الحدود مرتبطة بما يستطيع الشخص فعله لحماية نفسه، لا بمحاولة التحكم في تصرفات الطرف الآخر.
وفي الحالات التي يصبح فيها التواصل مؤذيًا بصورة مستمرة، قد يرى بعض الأشخاص أن قطع الاتصال هو الخيار الأكثر أماناً بالنسبة إليهم. لكنه قرار شخصي يعتمد على طبيعة العلاقة والظروف المحيطة بها. وقد يكون من المفيد الحصول على دعم متخصص قبل اتخاذ قرارات كبيرة بشأن العلاقات الأسرية.
عندما لا يكون قطع التواصل ممكنًا
في بعض الحالات، لا يكون الابتعاد الكامل ممكنًا، سواء بسبب الظروف العائلية أو المسؤوليات المشتركة. وهنا يمكن تقليل التفاعل العاطفي والاقتصار على الحديث في موضوعات عملية ومحايدة، بدلًا من الدخول في نقاشات شخصية أو صراعات متكررة.

ويعرف هذا الأسلوب أحيانًا باسم «الصخرة الرمادية» «Gray Rock Method»، ويقوم على جعل التفاعل أقل إثارة للاهتمام بالنسبة إلى الشخص الذي يحاول جر الطرف الآخر إلى صراع أو استجابة عاطفية. لكن هذا الأسلوب لا يعد بديلًا عن العلاقات الصحية، ولا ينبغي استخدامه مع الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقة قائمة على الثقة والاهتمام المتبادل.
إن التعافي من علاقة أسرية مؤذية لا يعني بالضرورة نسيان الماضي أو إنكار أثره، بل استعادة القدرة على اتخاذ القرارات بعيدًا عن الخوف والذنب. وقد تكون الخطوة الأولى هي إدراك أن وضع الحدود لا يعني القسوة، وأن بناء حياة مستقلة لا يعد خيانة للعائلة. بل يمكن أن يكون جزءً أساسيًا من استعادة التوازن النفسي والعلاقات الأكثر صحة.















