د. جلال رفاعي يكتب: التراث السعودي.. والمدن الذكية

د. جلال رفاعي

نائب مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية

نجحت السعودية من خلال قيادتها الحكيمة في تحويل الحلم إلى حقيقة بإرساء دعائم المدن الذكية على أراضيها؛ لتصبح من أوائل الدول العربية التي تتبنى هذا النوع من المدن؛ وذلك وِفق رؤية 2030 التي تهدف أيضًا إلى زيادة أعداد المدن الذكية لتصبح المملكة ضمن أفضل 100 مدينة في العالم بحلول عام 2030.

وقد ارتفع عدد المدن السعودية المدرجة ضمن مؤشر IMD العالمي للمدن الذكية لعام 2025 إلى ست مدن؛ وهي: الرياض، مكة المكرمة، المدينة المنورة، جدة، خبر، والعُلا.

الذكاء الأصطناعي

وتُعرف المدن الذكية  بأنها تلك التي تتوافر فيها خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات المتطورة، والذكاء الأصطناعي. وتعتمد على فكرة الأماكن العامة في المدينة؛ كالمطارات، والأسواق، والحدائق والمتنزهات، والمستشفيات، والمواقع الأثرية والمتاحف الحاضنة للتراث المادي؛ باستخدام تقنيات اتصال متطورة، بحيث يستطيع سكانها استخدام الإنترنت والاتصال بكافة المؤسسات والهيئات في مدينتهم؛ لإنجاز أعمالهم إلكترونيًا؛ وهو ما يصب في مصلحة التنمية المستدامة.

ولتحقيق أهداف الاستدامة، يجب تحقيق أبعادها الثلاثة؛ وهي:

1. البعد البيئي: بالحفاظ على البيئة الطبيعية (النباتات والحيوانات) والموارد الطبيعية والطاقة والتراث الذي يمثل جزءًا رئيسًا من هوية المدينة التي تحتضنه، ويعكس تاريخها وحضارتها والحفاظ عليه يعزز الشعور بالانتماء لدى السكان ويجعل المدينة أكثر جاذبية للسياح.

2. البعد الاقتصادي: بتعظيم الإنتاج.

3. البعد الاجتماعي: بتحقيق الإنصاف، واستقلالية المجتمع، ورفاهية المواطن، وإشباع الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

دمج التكنولوجيا الحديثة

وتتمثل العُلاقة بين المدن الذكية والتراث  في سعي المدن الذكية إلى دمج التكنولوجيا الحديثة، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية للمدينة؛ ما يعني استخدام التكنولوجيا لتحسين الخدمات وتسهيل حياة السكان، مع الحفاظ على المعالم الأثرية والمواقع التراثية وتطويرها بشكل مستدام.

توثيق المواقع التراثية

ويمكن أيضًا إدماج التراث في المدن الذكية؛ باستخدام التكنولوجيا في توثيق المواقع التراثية، وإنشاء متاحف إفتراضية، وتطوير تطبيقات للهواتف الذكية تقدم معلومات مفيدة عن التراث وتسهل الوصول إليه، واستخدام أنظمة إدارة ذكية للمواقع التراثية لتحسين صيانتها وحمايتها من التدهور، واستخدام الواقع الإفتراضي لإعادة بناء التراث المادي المتمثل في المساجد والكنائس والمعابد والمساكن التي تعرضت للهدم، مع توعية السكان- خاصةً صغار السن- بأهمية التراث المادي وغير المادي، وضرورة الحفاظ عليه؛ من خلال حملات توعية رقمية وتفاعلية.

مدينة العُلا

تبرز العُلا كمدينة ذكية تجمع بين الطابع التراثي والسياحي؛ حيث تتضمن تراثًا ماديًا وغير مادي ذا قيمة نادرة. ينقسم التراث المادي -كمقصد سياحي- إلى قسمين:

1. تراث مادي من صنع الطبيعة؛ مثل:

–         غراميل العُلا: وهي تكوينات صخرية رائعة محاطة بالكثير من لآلئ مجرة درب التبانة.

–         حرة عويرض: وهي صخرة بركانية منصهرة ترتفع عن مدينة العُلا، وبها فوهات بركانية تتوزع بين الشهاب والأودية. وتُعد حرة عويرض من أكبر المحميات الطبيعية في السعودية؛ حيث تضم العديد من أنواع الحيوانات والطيور والنباتات النادرة.

–         جبل الفيل: نتج عن تعرية الرياح منذ ملايين السنين؛ فأضافت له جمالًا طبيعيًا؛ حيث تكوّن جبل يشبه الفيل وسط صحراء رملية؛ ما يجعله من العجائب الطبيعية.

2. تراث مادي خلفته الحضارات القديمة؛ مثل:

–         منطقة الخريبة “محلب الناقة”: وهي جزء من بقايا مدينة دادان القديمة التي ترجع إلى حضارة مملكة دادان العربية الشهيرة، والتي يوجد بها أشهر معالم تاريخية في السعودية؛ حيث يشاهد السياح  الكثير من القطع الأثرية والتراثية التي من بينها الأحواض، وآثار العيون، والمقابر المنحوتة في الجبال، بالإضافة إلى العناصر المعمارية التي تزينها المنحوتات.

–         مقابر الأسود: تحتوي على  مجموعة مقابر مرسوم عليها أربعة أسود، بالإضافة إلى العديد من المنحوتات للأسود؛ مثل منحوت اللبؤة التي ترضع صغيرها.

–         منطقة البلدة القديمة: تحتوي على مبانٍ قديمة شُيدت بالطوب واللبن والحجارة، يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر الميلادي.

–         مدائن صالح: من أفضل الأماكن السياحية والتراثية والتاريخية. وقد سميت قديمًا باسم “دار الحجر”؛ لوقعها قديمًا على الطريق الذي يربط بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر والعراق. وتحتضن مدائن صالح  أفضل حضارات الأنباط، وقوم عاد الذين ذكروا في القرآن الكريم. وتُصنف مدائن صالح من أوائل المواقع السعودية التي أُضيفت إلى قائمة اليونسكو للتراث العالمي؛ حيث تحتوي على الكثير من الآثار التي من بينها الرسوم الصخرية، بالإضافة إلى النقوش الكتابية والدينية والملكية التي تظهر على المقابر في تلك المنطقة. –  – جبل عكمه: تعود جذوره إلى الحضارة الليحانية؛ حيث كانت مملكة ليحان؛ لذلك يحتوي على نقوش أثرية، وكتابات تراثية مهمة تعكس حضارة ليحان.

التراث غير المادي لمدينة العُلا

عملت المملكة على إبراز التراث غير المادي لمدينة العُلا؛ بإقامة فاعليات ثقافية تُبرز هوية المدينة وسكانها؛ مثل سوق بلدة العُلا القديمة، الذي يحتوي على دكاكين خاصة بالحرفيين، وكثير من الحرف التقليدية، والمقاهي. ويُقام بها مهرجان المملكة القديمة وهو احتفال تُعرض من خلاله كافة التقاليد والعادات والفنون، ومهرجان شتاء طنطورة؛ أحد أفضل مهرجانات الفنون، كما تُمارس فيه أنشطة متنوعة في الفن والطهي.

دور المدن الذكية

هنا يجيء دور المدن الذكية وما تحويه من تقنيات رقمية تخدم هذه المواقع الطبيعية والأثرية لمدينة العُلا كتراث مادي يهدف للحفاظ عليه وحمايته من أي أندثار؛ لكي تستفيد به الأجيال التالية؛ وهو أحد أهداف التنمية المستدامة.

كذلك، عند استخدام التكنولوجيا الحديثة يتم إدارة المنظومة السياحية والخدمية في مدينة العُلا ككل بكفاءة عالية، متضمنة انسيابية حركة الزوار، وكفاءة استهلاك الطاقة والخدمات.

ويؤكد هذا التوجه التزام المملكة بتوسيع مفهوم المدن الذكية؛ ليشمل المدن التراثية ذات القيمة الثقافية والسياحية العالية، وظهور أنماط سياحية جديدة؛ مثل السياحة البيئية، والسياحة الصحراوية.

 

 

 

الرابط المختصر :