يعد الروتين والتنظيم الإجرائي ضرورة مؤسسية لا غنى عنها لضمان سير العمل بكفاءة وامتثال. ومع ذلك، عندما يتحول هذا التنظيم إلى هوس بالإجراءات الموحدة والأتمتة المفرطة، فإنه يبدأ في التهام المهارة العميقة والكفاءة الجوهرية. تصبح الكفاءة التي هي القدرة على التفكير النقدي، وحل المشكلات غير التقليدية، وفهم النظام بأكمله مدفونة تحت طبقات من البروتوكولات التي لا تتطلب سوى الامتثال السطحي. هذه الظاهرة، التي وصفت بأنها “نقص الكفاءة” في سياق الأنظمة المعقدة، تعني أن الموظف يكون كفؤًا في اتباع الإجراءات للمواقف العادية، لكنه يفتقر تمامًا للكفاءة اللازمة للتعامل مع المواقف الخارجة عن المألوف أو الأزمات.
آليات تآكل الخبرة في العصر الحديث
بحسب “charleshughsmith”دفن الكفاءة ليس حادثًا عرضيًا، بل هو نتاج لآليات هيكلية في المؤسسات الحديثة:
- التحول من المهارة الحرفية إلى الإجراءات الموحدة: تاريخيًا، ركزت الثورة الصناعية على تفكيك مهارة الحرفي المعقدة إلى خطوات روتينية يمكن أن يقوم بها عمال غير ماهرين (كما أشار إليه تحليل سامو بورخا). هذا المنطق امتد إلى الاقتصاد ما بعد الصناعي. حيث تم تحويل العمل المكتبي المعرفي إلى حزم من الإجراءات الموحدة ومعالجة البيانات. أدى هذا إلى تهميش “المعرفة المنهجية” (العميقة) لصالح “المعرفة الإجرائية” (السطحية).
- التخصص المفرط والعمل الهراء: يصبح الموظف متخصصًا في جزء صغير جدًا من العملية، ومهمته تقتصر على اتباع الإجراءات والامتثال لمتطلبات الرقابة والبيروقراطية. هذا يخلق ما أسماه المؤرخ ديفيد غرايبر “العمل الهراء” (Bullshit Jobs). حيث لا يضيف العمل قيمة حقيقية، ولكنه يولد المزيد من الإجراءات والتعقيدات غير الضرورية.
- الثقة المفرطة في الأتمتة والخوارزميات: مع تزايد أتمتة المهام، يتحول دور العامل إلى مجرد مراقب أو مدخل للبيانات. هذا يقلل من فرص ممارسة التفكير النقدي اللازم للتعامل مع انحرافات النظام. عندما تفشل الأتمتة (وهو أمر حتمي في الأنظمة المعقدة)، يفتقر المشغل البشري إلى الخبرة اللازمة للتدخل الفعال.

العواقب الكارثية لدفن الكفاءة
عندما تصبح المؤسسة غارقة في الروتين على حساب الكفاءة، تظهر عواقب وخيمة، تؤثر على الاستدامة والأمان:
- تفاقم الحوادث العادية إلى كوارث: كما يوضح تشارلز بيرو في تحليله للحوادث، فإن الأنظمة المعقدة ذات الترابط الوثيق تزيد من مخاطر تحول الأخطاء البسيطة إلى كوارث (مثل حوادث الطيران أو الكوارث النووية). يعود السبب إلى أن الكادر البشري، الذي تدرب على الروتين، يستجيب بطرق متوقعة وغير فعالة لموقف غير متوقع.
- فقدان “الذاكرة المؤسسية“: تتآكل “التكنولوجيا الاجتماعية” في المؤسسة—وهي شبكة الخبرة غير الملموسة، والمهارات الفطرية، والقيم المشتركة. الأفراد يتقنون الإجراءات، لكنهم يفقدون فهم “كيف” و “لماذا” يعمل النظام، مما يجعل نقل المعرفة الجوهرية إلى الجيل التالي أمرًا صعبًا.
- شلل في الابتكار والتحسين: الابتكار يتطلب الخروج عن المألوف والروتين. عندما تكون الكفاءة مدفونة تحت طبقات من الإجراءات، يصبح التغيير معضلة. يتطلب أي تعديل موافقات بيروقراطية مطولة. ما يعيق قدرة المؤسسة على التكيف مع التحديات الجديدة في السوق أو البيئة.
- الهدر الاقتصادي والبيروقراطي: ينتج “العمل الهراء” فائضًا في الأعباء الإدارية والامتثال غير المنتج. هذا يثقل كاهل المؤسسة بتكاليف غير ضرورية ووقت ضائع في إعداد التقارير والتدقيق بدلًا من التركيز على القيمة الأساسية.

طريق العودة.. إحياء الكفاءة والخبرة
لمواجهة ظاهرة “نقص الكفاءة”، يجب على المؤسسات أن تعيد تقييم العلاقة بين الروتين والخبرة:
- التركيز على “الكفاءة المنهجية“: يجب أن يتجاوز التدريب مجرد اتباع الإجراءات إلى غرس الفهم العميق للنظام بأكمله، ومبادئ العمل. والآثار المترتبة على القرارات.
- تشجيع التفكير النقدي والتدخل البشري: يجب تمكين الموظفين، خاصة في المستويات التشغيلية، من استخدام حكمهم الشخصي وخبرتهم لاتخاذ إجراءات غير روتينية عند الضرورة، والاعتراف بأن الإنسان هو خط الدفاع الأخير والأكثر مرونة ضد تعقيدات النظام.
- موازنة الروتين مع المرونة: يجب أن تكون الإجراءات دليلًا إرشاديًا لا قيدًا جامدًا. يتطلب هذا بناء ثقافة مؤسسية تسمح بالتجريب، والتعلم من الأخطاء. ودمج الخبرات الشخصية في تحديث الإجراءات.
إن إعادة إحياء الكفاءة المدفونة ليست مجرد مسألة تنظيمية، بل هي ضمانة لمرونة المؤسسة وقدرتها على البهم في وجه الأزمات التي تتجاوز كل ما هو مكتوب في دليل الإجراءات.


















