العطاء في جوهره سلوك نبيل، ينبع من نية صافية ورغبة حقيقية في المساندة، حين نمتلك فائضًا من الوقت أو الطاقة أو الدعم. هذا النوع من العطاء يمنحنا شعورًا بالرضا والنشاط. لكن أحيانًا، يتحول العطاء إلى سلوكٍ منهك، مصدره ليس الكرم وإنما حاجة خفية داخلية. في تلك الحالة، نمنح الآخرين على أمل الحصول على مقابل حتى وإن كان بسيطًا، ككلمة شكر، أو تقدير، أو مجرد تخلص من الشعور بالذنب. وهنا نفقد جوهر العطاء، إذ يتحول إلى تبادل طاقي يرهقنا أكثر مما يغنينا. وفقًا لـ “harleytherapy”.
عندما نعطي أكثر مما ينبغي، يبدأ الشعور بالاستنزاف، لا بالرضا. نرهق أنفسنا، ونشعر بالانزعاج، وربما بالضيق من الطرف الآخر أو من ذواتنا، لأننا تخطينا حدودنا دون وعي.

دوافع الإفراط في العطاء
الإفراط في العطاء ليس دائمًا بدافع الكرم، بل يرتبط أحيانًا بعدة دوافع خفية، منها:
- الأمل في الحصول على مقابل معنوي لما نقدمه.
- الرغبة في أن نحب أو نقدر.
- الحاجة لإثبات الذات والشعور بالرضا عنها.
- السعي إلى الظهور بمظهر الشخص الأقوى أو الأذكى أو الأكثر خبرة.
- الاعتقاد بأننا المسؤولون الوحيدون عن مساعدة الآخرين، أو أن تقصيرنا سيجعلنا نشعر بالذنب.
كل هذه الدوافع تجعلنا نتجاوز حدودنا الشخصية، ونعطي أكثر مما نستطيع تحمله.
تكلفة العطاء الزائد
عندما نمنح الآخرين أكثر مما نحتمل، غالبًا ما نفعل ذلك بدافع الواجب، لا الرغبة. فنقنع أنفسنا بأننا “يجب” أن نعطي، حتى لو كان ذلك على حساب راحتنا. ومع مرور الوقت، يضعف هذا السلوك ثقتنا بأنفسنا ويجعلنا نضع احتياجاتنا الشخصية في آخر القائمة.
يؤدي هذا النمط إلى ضغوطٍ متراكمة تضعف تقدير الذات، وتعرضنا لمشاعر القلق والاكتئاب وكبت الغضب. لأننا ببساطة نهمل أنفسنا في سبيل الآخرين، فنخسر توازننا الداخلي دون أن نشعر.
الإفراط في العطاء والاعتماد المتبادل
غالبًا ما يكون الإفراط في العطاء علامة على التبعية العاطفية.
فحين نكون تابعين، نفقد إحساسنا بذواتنا من خلال السعي المستمر لإرضاء الآخرين. نعطي كثيرًا على أمل أن نحصل على الثناء أو القبول، فنشعر بالتقدير لكنه تقدير زائف مصدره الخارج لا الداخل.
مع الوقت، يصبح تركيزنا منصبًا على ما يريده الآخرون، ونفقد قدرتنا على معرفة ما نريده نحن. هذا الانفصال عن الذات قد يقود إلى الاكتئاب أو حتى إلى أزمة هوية لاحقًا.
ومن التكاليف الخفية الأخرى للإفراط في العطاء الشعور بالوحدة.
فالعلاقات التي تبنى على هذا النمط ليست صحية. إذ يبدأ أحد الطرفين بالاستياء في صمت، فيتحول العطاء من محبة إلى عبء، وتفقد العلاقة توازنها الحقيقي.
التكلفة التي يتحملها الآخرون
المفارقة أن الإفراط في العطاء لا يضر بالعاطي فقط، بل بالمتلقي أيضًا. فعندما نعطي أكثر من اللازم، نمنع الآخرين من النمو والتطور.
على سبيل المثال، إن كنا نساعد شخصًا باستمرار لأننا نريد أن نظهر ذكاءنا أو قوتنا، فإننا نسلبه فرصة التعلم من تجاربه. بل إن تقديم الهدايا المبالغ فيها، خاصةً للأطفال، قد يجعلهم أقل مسؤولية ويعتمدون على الآخرين عوضًا عن الاعتماد على أنفسهم.
غالبًا ما ينتج هذا السلوك أطفالًا مدللين يفتقرون إلى روح المبادرة، لأنهم لم يمنحوا فرصة الكفاح أو التحمل. وهكذا، يصبح العطاء الزائد في جوهره شكلًا من أشكال التحكم المقنع، حين نقدم شيئًا للآخر دون أن يطلب منا، فنقرر ضمنيًا ما يستطيع فعله أو لا يستطيع فعله.

إذا وجدت نفسك تهدر طاقتك ووقتك دائمًا في العطاء، حتى عندما لا تستطيع التوقف، فربما حان الوقت لإعادة النظر. قد تكون هذه علامة على تدني تقدير الذات أو على حاجتك إلى وضع حدود صحية.
وفي النهاية إن كنت تشعر بأنك عالق في دائرة لا تنتهي من البذل، فإن العلاج النفسي قد يكون الخطوة المناسبة. فالمعالج المحترف يمكنه مساعدتك على فهم أسباب هذا النمط، وكيفية تغييره تدريجيًا، لتتعلم أن تمنح بحب، لكن دون أن ترهق نفسك.
حينها فقط، يصبح العطاء فعل توازنٍ نابع من القوة، لا من الضعف.
الرابط المختصر :



















