حقوق العباد.. علماء وخبراء يحذرون من تجاهلها

حقوق العباد.. علماء وخبراء يحذرون من تجاهلها
حقوق العباد.. علماء وخبراء يحذرون من تجاهلها

رغم المكانة الكبيرة التي تحتلها العبادات في الإسلام، يؤكد علماء الدين أن ملف حقوق العباد يظل من أكثر القضايا حساسية وإهمالًا في الوعي المجتمعي. ويشدد متخصصون على أن التوبة الصادقة لا تكتمل ما دامت المظالم قائمة ولم ترد الحقوق إلى أصحابها. معتبرين أن المعاملات بين الناس تمثل الاختبار الحقيقي لصدق التدين.

ميزان حقيقي للتدين

يشير علماء الدين إلى أن حقوق العباد ليست مسألة هامشية في الخطاب الديني أو الاجتماعي. بل تمثل معيارًا أساسيًا لقياس صدق التدين وسلامة الضمير. فالدين بحسب المتخصصين لا يقتصر على أداء الطقوس والشعائر، بل يقاس بمدى احترام الإنسان لحقوق الآخرين وصيانة كرامتهم والالتزام بالعدل في القول والفعل.

التوبة لا تكتمل دون رد الحقوق

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور السعيد محمد علي؛ من علماء وزارة الأوقاف، أن التوبة النصوح التي دعا إليها القرآن الكريم ليست مجرد كلمات، بل عبادة تقوم على أركان محددة. وبين أن التوبة المرتبطة بحقوق الله تقوم على ثلاثة أركان أساسية: الإقلاع عن الذنب، والندم الصادق، والعزم على عدم العودة إليه.

وأضاف أن الأمر يختلف عندما يتعلق الذنب بحقوق الآخرين، إذ يضاف ركن رابع أساسي يتمثل في رد المظالم إلى أصحابها. مؤكدًا أن حقوق العباد لا تسقط بكثرة الصلاة أو الصيام أو الحج.

ولفت إلى ضرورة التمييز بين حقوق الله المرتبطة بالعبادات، وحقوق العباد المرتبطة بالأموال والديون والأعراض. موضحًا أن الله سبحانه وتعالى قد يعفو عن بعض التقصير في حقوقه عند العجز أو صدق النية. بينما لا تُغفر حقوق الناس إلا بأدائها أو بعفو أصحابها.

العبادة والسلوك وجهان لعملة واحدة

ووفقًا لـ”الأهرام” شدد الداعية بوزارة الأوقاف على أن الإسلام دين متكامل لا يقبل الفصل بين العبادة والسلوك. موضحًا أن كثرة أداء الشعائر لا يمكن أن تعوض التفريط في حقوق الآخرين. فالصلاة كما يؤكد لا تغني عن الزكاة، والحج لا يعوض التقصير في بر الوالدين. كما أن الأعمال التطوعية لا تعوض الاعتداء على حقوق الناس.

حقوق العباد.. علماء وخبراء يحذرون من تجاهلها
حقوق العباد.. علماء وخبراء يحذرون من تجاهلها حقوق العباد.. علماء وخبراء يحذرون من تجاهلها

البعد النفسي للانتهاكات

من جانبه، حذر الدكتور وليد هندي؛ استشاري الصحة النفسية، من خطورة بعض الأنماط الشخصية مثل الشخصيات السيكوباتية والسادية. موضحًا أنها قد ترتكب انتهاكات جسيمة بحق الآخرين دون الشعور بالذنب أو الندم نتيجة ضعف الضمير أو غيابه.

وأشار إلى أن هذه الشخصيات غالبًا ما تلجأ إلى آليات دفاعية مثل الإنكار والتبرير وإلقاء اللوم على المجتمع، معتبرة أن أفعالها طبيعية أو مبررة. وأكد أن ممارسة العبادات وحدها قد لا تحدث أثرًا إصلاحيًا في سلوك هذه الشخصيات ما لم يصاحبها وازع أخلاقي ومراجعة حقيقية للنفس.

وأضاف أن بعض هذه السلوكيات قد تعود جذورها إلى تجارب قاسية في الطفولة. مثل التعرض للعنف أو التنمر، إلا أن ذلك لا يمكن أن يشكل مبررًا أخلاقيًا أو دينيًا للاعتداء على حقوق الآخرين.

كما حذر من خطورة انتشار العنف والسخرية والتنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض البرامج الترفيهية. مشيرًا إلى أن هذا المناخ يسهم في التقليل من خطورة الذنب والتهاون بحقوق الآخرين.

أبعاد اجتماعية للأزمة

بدوره، أكد الدكتور نبيل السمالوطي؛ أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن المجتمع يشهد تراجعًا في الوعي الديني الصحيح. موضحًا أن انتشار التدين الشكلي المنفصل عن القيم الجوهرية أدى إلى ظهور سلوكيات تتعارض مع جوهر الدين، أبرزها الاعتداء على حقوق الآخرين.

وأشار إلى أن احترام حقوق العباد يمثل أساس التماسك المجتمعي والمواطنة الحقيقية. محذرًا من أن غياب هذه القيم قد يؤدي إلى تفكك الأسر ويهدد استقرار المجتمع.

وأوضح أن تراجع الاعتراف بحقوق الآخرين يعود إلى مجموعة من العوامل التربوية والثقافية والدينية. في مقدمتها ضعف دور الأسرة في التنشئة وغرس القيم الأخلاقية. نتيجة تصاعد الخلافات الأسرية وانشغال الوالدين عن متابعة الأبناء.

كما حذر من تأثير ما وصفه بـ«الكتائب الإلكترونية» التي تستهدف الدين والهوية الوطنية عبر تقديم تفسيرات مغلوطة للنصوص الدينية في صورة محتوى جذاب، خاصة عبر الألعاب والمواد الدرامية.

دور الأسرة والتعليم

وشدد السمالوطي على أن التربية السليمة تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية: البعد العقلي القائم على الوعي والمتابعة، والبعد العاطفي القائم على الحب والاحتواء، والبعد الإرادي القائم على الحزم والانضباط.

ويرى أن معالجة الأزمة لا تقتصر على توجيه الأبناء، بل تتطلب أيضًا تأهيل الآباء للقيام بدورهم التربوي بصورة صحيحة. إلى جانب إعادة الاعتبار لمكانة المعلم ماديًا ومعنويًا باعتباره أحد أهم عناصر بناء الإنسان.

كما دعا إلى تكامل الجهود بين المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية. خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتقديم خطاب ديني معاصر قادر على مخاطبة الشباب بلغتهم وتعزيز وعيهم الديني.

الرحمة لا تعني التهاون

من جانبه، أكد الشيخ عبد العزيز النجار؛ من علماء الأزهر الشريف. أن مفهوم الرحمة في الإسلام لا يعني التهاون أو التغاضي عن حقوق الناس، بل يقوم على العدل والحكمة.

وأوضح أن كثرة العبادات من صلاة وصيام وحج وصدقات لا تمحو حقوق العباد. إذ لا يمكن أن تسقط دينًا أو تعيد مالًا مغتصبًا أو تعوض ظلمًا وقع على الآخرين.

وأشار إلى أن حقوق العباد تحظى بمكانة خاصة في الحساب يوم القيامة. لأنها تقوم على المطالبة والمخاصمة، بخلاف حقوق الله التي تقوم على العفو والمغفرة. مؤكدًا أن مظالم الناس لا تغفر إلا بأدائها أو بطلب العفو الصادق من أصحابها. محذرًا من أن تجاهل هذه الحقيقة يعد أحد أسباب انتشار الظلم الصامت في المجتمع.

الرابط المختصر :