تكريم المخرج السعودي عبد الله المحيسن بمهرجان السينما العربية في مالمو

شهد حفل افتتاح الدورة السادسة عشرة من Malmö Arab Film Festival تكريم المخرج السعودي عبد الله المحيسن وذلك في مدينة مالمو السويدية وسط حضور لافت لنخبة من الشخصيات الثقافية والفنية والإعلامية من العالم العربي وأوروبا.

وتسلم المحيسن درع التكريم من محمد قبلاوي مؤسس ورئيس المهرجان تقديرا لمسيرته السينمائية الطويلة وإسهاماته البارزة في تأسيس ودعم صناعة السينما في المملكة العربية السعودية.

منذ البداية، تسلل السينمائي عبدالله المحيسن إلى هذا الفن من باب الحاجة. حاجة جاءت من داخله إلى الكلام والبوح، وأيضاً إلى تصحيح صورة والانتصار لفكرة. أما سيرة هذا الذي ولد في مكة المكرمة فتبدو كأنها تشكلت عكس التيار، في بلد بلا صالات عرض، وفي بيئة لم تكُن ترى في السينما ضرورة، اختار أن يجعل من السينما “أداة معرفة” و”لغة مواجهة”. من طفولته، يتذكر “كنا نشاهد أفلاماً بالـ16 مليمتراً مرتين أسبوعياً. لم تكُن هناك صالات، كانت هذه العروض تصل إلى منازلنا. في المدرسة، بدأتُ أرسم. والدي لم يكُن راضياً عن ذلك. فلجأتُ إلى الكاميرا”.

هكذا حدث الانزلاق، من اليد إلى العين، من الخط إلى الضوء. لكن الوعي الحقيقي لم يتكون في الداخل، بقدر ما جاء من الخارج، من بيروت أولاً، ثم من لندن لاحقاً. في العاصمة البريطانية، شاهد الأفلام وتعلم مناقشتها وتفكيكها، ثم النظر إلى ما خلفها. وفي أحد الأيام سئل “لماذا لا تحاول درس السينما؟”. وتلك هي اللحظة التي تحولت فيها السينما من كونها متعة إلى كونها قدراً.

“قيل إنه قدم سينما اسمها سينما القضايا”. وهذا توصيف دقيق، فهو لطالما نبذ سينما الأفراد، مفضلاً عليها سينما الأوضاع. وفي “ظلال الصمت” مثلاً، وهو أول فيلم روائي طويل سعودي، قدّم بنية استعارية عن السلطة والعالم “إذا نظرتَ إلى العالم اليوم، سترى أنه هناك مَن يقود، وهناك مَن يقود القائد”.

السينما قضية

 مع “ظلال الصمت” (2006)، تناول المحيسن مأزق الفرد العربي العالق بين أعباء ماضٍ متراكم وحاضر خانق وهواجس مستقبلٍ غامض يلوح خالياً من الأمل، عارياً من الحلم. إنه تصوير مكثف لحال اغتراب وجودي، حيث تتأكل القدرة على الفعل أمام سطوة الزمن وتحولاته القاسية.  وصُوّر العمل في رحاب مدينة تدمر السورية، مع كوكبة من نجوم العالم العربي، من بينهم عبدالمحسن النمر ونايف خلف من السعودية، ومحمد المنصور من الكويت، فضلاً عن غسان مسعود وفرح بسيسو ومنى واصف ورجاء فرحات من سوريا. وشارك أيضاً في إنجاز الفيلم طاقم فني وإنتاجي ضخم قارب الـ400 فرد، مما يعكس طموح المحيسن إلى استعادة حضوره السينمائي بعد انقطاعٍ دام أكثر من 13 عاماً منذ تقديمه فيلمه الوثائقي “الصدمة” عن حرب الخليج الثانية.

يقارب المحيسن السينما كسلسلة أسئلة مترابطة، تسعى إلى إثارة القلق. ورسالته أن يحرك الإنسان، ويقوده إلى التساؤلات، مما يفسر اختياره أحياناً لأساليب أقرب إلى الحلم أو السوريالية “تسحب المشاهد بشكل ناعم حتى يعيش في الحلم. ومن الحلم تدخله إلى التساؤلات”.

إشادة بدور السينما في التقارب بين الشعوب

وفي كلمته عقب التكريم أعرب المحيسن عن اعتزازه بهذه اللفتة خاصة أنها تأتي بالتزامن مع النهضة التي تشهدها السينما السعودية مؤكدا أن الفن يمثل “الجسر الأقوى” للتواصل بين الثقافات المختلفة.

كما شدد على أهمية السينما كأداة لنشر قيم السلام والتفاهم معربا عن فخره بالأجيال الجديدة من صناع الأفلام السعوديين الذين باتوا يحققون حضورا عالميا برؤى حديثة ومبتكرة.

عرض خاص وورشة عمل

ضمن فعاليات التكريم يشهد المهرجان عرضا خاصا للفيلم الوثائقي “اغتيال مدينة” (1977) أحد أبرز أعمال المحيسن والذي يعكس اهتمامه بالقضايا الإنسانية والسياسية في العالم العربي.

كما تتضمن الفعاليات تنظيم ورشة عمل خاصة يستعرض خلالها المخرج مسيرته الفنية وفلسفته السينمائية التي امتدت لعقود وأسهمت في تشكيل ملامح السينما السعودية.

يعد عبد الله المحيسن أحد أبرز رواد السينما في السعودية ومنطقة الخليج إذ كان من أوائل المتخصصين في هذا المجال وأسهم بشكل كبير في وضع اللبنات الأولى لصناعة السينما في المملكة.

وعلى مدار أكثر من خمسة عقود قدم عددا من الأعمال السينمائية المهمة من بينها “الصدمة” و”ظل الصمت” والتي عكست رؤيته الفنية القائمة على توظيف السينما كوسيلة للتعبير الثقافي والدفاع عن القضايا الإنسانية ليبقى اسمه حاضرا كأحد أبرز صناع السينما في العالم العربي.

صور تكريم المخرج عبد الله المحيسن خلال افتتاح مهرجان مالمو للسينما العربية اليوم، تقديرًا لمسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، أسهم خلالها في تأسيس ملامح السينما السعودية. ويحتفي المهرجان بإرثه بعرض فيلمه «

ثقافته الواسعة في الصناعة السينمائية

ومن أكثر أفكاره وضوحاً وجرأة، رفضه للتصنيفات الوطنية الضيقة “أنا لا أؤمن بسينمائي سعودي أو لبناني أو مصري… أنا أؤمن بسينمائي عربي”. وهذه ليست مجرد عبارة إنشائية، وإنما رؤية عملية فرضها في “ظلال الصمت”، فيلم ناطق باللغة العربية الفصحى. ففي نظره أن المشكلة الأساسية تقع في تشتت المواهب لا في نقصها. “هناك 300 مليون عربي. إذا ما استطعنا استخدامهم بعضهم مع بعض، نكون قد ظلمنا أنفسنا”.

ويصر المحيسن على أنه لم يكُن مراقَباً على امتداد تجربته السينمائية، بل على العكس “الرقابة هي رقابة ذاتية، لا أحد فرض عليّ شيئاً”. لكن هذا لا يعني أن الطريق كان سهلاً. الصعوبة تجسدت في غياب البنية بدلاً من غياب الحرية. “لم أنَل الدعم في إنتاج الأعمال التي أحلم بها. لو كانت هناك مؤسسة، كانت سهّلت مهمتي كثيراً”.

في مدينة نانت الفرنسية عام 2006، نظم مهرجان القارات الثلاث احتفالاً ببدايات السينما السعودية، مع ثلاثة أفلام كان “ظلال الصمت” أحدها. فسئل يومها “لماذا تأخرت ولادة السينما السعودية إلى هذا الحد؟”. إجابته كانت حاسمة، بعيداً من التفسيرات الأيديولوجية الجاهزة “أي مجتمع لديه أولويات، والسينما تبقى من الكماليات”، مضيفاً أيضاً أن المشكلة في غياب شروط قيام صناعة. ومع ذلك، كان يرى أن الوعي موجود، “الجمهور السعودي واعٍ للسينما، يفهمها ويقدرها بشكل كبير”.

الرابط المختصر :