لطالما ارتبط مفهوم النجاح في ريادة الأعمال بسلسلة من الإنجازات الملموسة، كجولات التمويل الكبرى والنمو السريع للإيرادات أو الطرح العام الأولي (IPO).
لكن، يطرح المؤسس والرئيس التنفيذي لـ”Jotform”، أيتكين تانك، سؤالًا جوهريًا حول هذه المقاييس التقليدية. مؤكدًا أن النجاح الحقيقي يكمن في الرحلة ذاتها وليس الوصول إلى “رقم سحري” أو هدف نهائي.

رؤية الكاتب
وفقًا لـ “forbes”يجسد الكاتب رؤيته بحكاية المصرفي الذي نصح الصياد بأن يقضي عشرين عامًا في بناء إمبراطورية صيد لكي يتمكن في النهاية من “قضاء الوقت مع عائلته فيه، والجلوس مع أصدقائه”. بينما يوضح الصياد بذكاء أنه يعيش هذا النجاح بالفعل، مسلطًا الضوء على التناقض بين النجاح المادي وراحة البال.
مخاطر مطاردة “عدم الاكتفاء” والإرهاق
تكمن المشكلة الرئيسية في السعي خلف سلسلة لا تنتهي من الأهداف المادية: لن تكون كافية أبدًا. هذا السعي المستمر هو وصفة مباشرة للبؤس والإرهاق، وهي أمراض شائعة بين رواد الأعمال.
تشير الدراسات إلى أن نسبة مقلقة، تصل إلى 72%، من رواد الأعمال الناجحين يعانون الاكتئاب والمشاكل النفسية.
ويوضح الكاتب هذه الظاهرة علميًا، مشيرًا إلى أن الدماغ يكافئنا بـالدوبامين عند تحقيق الأهداف. لكن هذه المتعة قصيرة الأمد. فالطبيعة البشرية مصممة لتحقيق التوازن، ما يتركنا في شوق فارغ لتكرار التجربة، في حلقة تبدو إدمانية تجعل مقياس “كفايتنا” دائمًا خارج السيطرة.
إعادة ضبط مقياس النجاح.. الرضا كمتغير مستقل
للتخلص من “حلقة المتعة” المفرغة هذه، يقترح الكاتب إعادة ضبط المؤشرات والنظر إلى النجاح والرضا كمتغيرين مستقلين. يجب على رواد الأعمال تحويل تركيزهم من مجرد “تسجيل النتائج” إلى:
- جودة العمل: التركيز على جودة المنتج أو الخدمة.
- المساهمات: النظر إلى مساهماتهم في تحقيق الصالح العام.
- الروابط: تعزيز العلاقات والروابط الإنسانية التي كونتها.
- الحياة: تقدير الحياة التي صنعوها لأنفسهم.
هذا التحول الفكري يمنح شعورًا بالرضا أكبر بكثير من السعي وراء معيار زائل يمكن أن يرتفع باستمرار.

كسر خرافة الإرهاق الدائم.. العمل بذكاء لا بجهد
لطالما سيطرت خرافة “المؤسس المجهد” على ثقافة الشركات الناشئة: العمل لساعات طويلة، وعدم الاهتمام بالصحة الشخصية، والسعي الدائم وراء “المزيد” من التمويل والمستخدمين. لكن، تتزايد الأصوات بين رواد الأعمال الذين يؤمنون بأن ريادة الأعمال لا يجب أن تكون جهدًا شاقًا.
يعبر عدد متزايد عن قناعتهم بأهمية التوازن بين العمل والحياة؛ فبدلًا من إرهاق الذات، يجب أن يكون العمل التجاري في خدمة حياة رائد الأعمال، وليس العكس.
تشمل النصائح المنتشرة بين مجتمع “المخترقين المستقلين” (Indie Hackers): الالتزام بساعات عمل صحية، وتجنب العمل بعد العشاء أو في عطلات نهاية الأسبوع، وأخذ إجازات، والانغماس في الهوايات. إن النجاح ليس مرادفًا للإنجاز عبر الإرهاق.
العثور على “حالة التدفق الذهني” والشغف الحقيقي
لتحقيق الرضا اليومي، ينصح جاستن كان، المؤسس المشارك لـ “Twitch”، بالبحث عن “حالة التدفق الذهني” (Flow State) في العمل، أي تلك اللحظات التي تستمتع فيها بالعمل لدرجة أن الوقت يمر دون شعور.
يوصي بالتأمل الداخلي: “ما الشيء الذي يسعدك القيام به يوميًا؟ ماذا كنت ستفعل لو لم يدفع لك أحد مقابله؟” فالشغف ليس بالضرورة أن يكون بـ”المنتج”، بل بالرضا الذي تجده في عملية البناء والإنجاز.
في الختام، يؤكد الكاتب أن التخلي عن الشعور بـ”عدم الاكتفاء” ليس نتيجة لتحقيق النجاح، بل هو قرار واعٍ بالنزول عن “حلقة المتعة” المفرغة التي تجعلنا دائمًا غير راضين. ريادة الأعمال تتطلب أهدافًا، ولكن فكرة أن النجاح يتطلب المزيد دائمًا هي خرافة. أحيانًا، يكفي ما يكفي.


















