في ظل التطور التكنولوجي المتسارع لم يعد استخدام الإنترنت مجرد وسيلة ترفيه أو تواصل، بل تحول لدى البعض إلى هاجس يومي يهدد التوازن النفسي والاجتماعي داخل الأسرة.
وذلك فيما يعرف بظاهرة “الفومو” أو الخوف من فوات الشيء.
«الفومو».. مرض العصر الرقمي
يحذر الدكتور نيفزات تارهان؛ أخصائي الطب النفسي، من تنامي ظاهرة “الفومو”. التي تعني الخوف من فقدان الاتصال بالإنترنت أو تفويت ما يحدث في العالم الرقمي.
بينما يوضح أن هذا الشعور يدفع الأفراد إلى التعلق المستمر بأجهزتهم الذكية. لدرجة القلق والتوتر عند فقدان الاتصال، وكأنهم فقدوا شيئًا أساسيًا في حياتهم.
كما يؤكد أن هذا المصطلح، رغم حداثته، أصبح شائعًا في علم النفس لوصف حالة عامة يعيشها عدد متزايد من الأشخاص حول العالم. خاصة مع الانتشار الواسع للتكنولوجيا.
التكنولوجيا والعولمة.. بيئة خصبة للظاهرة
ووفقًا لـ”npistanbul” يربط تارهان ظهور “الفومو” بالتغيرات الكبرى التي شهدها العالم بعد العولمة. حيث ساهم التطور التكنولوجي في تحويل العالم إلى “قرية إلكترونية” سهلة التواصل.
لكن هذه السهولة، بحسبه، لم تخل من آثار سلبية؛ إذ انعكست على طبيعة العلاقات الإنسانية، وأدت إلى تراجع التفاعل الحقيقي داخل الأسرة. حيث يجتمع الأفراد في مكان واحد، لكن كل منهم يعيش في عالمه الافتراضي الخاص عبر الهاتف الذكي.

عندما يتسلل الخطر إلى داخل الأسرة
يشير الخبراء إلى أن “الفومو” لا يقتصر تأثيره على الفرد فقط، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر في العلاقات الأسرية. فقد يؤدي إلى إهمال الشريك أو الأبناء، وضعف التواصل بينهم.
ومن أبرز المشاهد اليومية: جلوس أفراد الأسرة في غرفة واحدة دون أي تفاعل حقيقي، في ظل انشغال كل فرد بهاتفه. ما يعزز العزلة داخل المنزل نفسه.
من الاستخدام إلى الإدمان
يوضح تارهان أن “الفومو” يتحول إلى إدمان عندما يبدأ التأثير في الحياة اليومية، مثل تعطيل العمل أو إهمال المسؤوليات.
ويشير إلى أن الإدمان السلوكي على الإنترنت يمر بعدة مراحل:
- المرحلة الأولى: استخدام طبيعي لا يؤثر بشكل كبير في الحياة اليومية.
- المرحلة الثانية: زيادة الوقت المستخدم مع شعور بالندم بعد ذلك.
- المرحلة الثالثة: سيطرة كاملة على حياة الفرد، قد تصل إلى إهمال العمل أو تفكك العلاقات. ما يستدعي تدخلًا علاجيًا.
هل يمكن العلاج؟
بحسب المختصين يمكن علاج الإدمان الرقمي، خاصة في مراحله المبكرة، من خلال تقليل الاستخدام تدريجيًا، وإعادة تنظيم الوقت، واستبدال العادات الرقمية بأنشطة واقعية.
وفي الحالات المتقدمة يتطلب الأمر تدخلًا علاجيًا متخصصًا يشمل تقليل الاعتماد على الإنترنت وإعادة تأهيل السلوك، مع تحقيق توازن صحي بين العالمين الواقعي والافتراضي.
الأطفال في دائرة الخطر
يحذر تارهان من خطورة ترك الأطفال أمام الإنترنت دون رقابة، مشيرًا إلى أن الاعتقاد بأن المنزل بيئة آمنة للاستخدام الرقمي غير دقيق. إذ يشبه الكمبيوتر بـ“باب مفتوح” على العالم.
ويوضح أن الأطفال قد يتعرضون لمخاطر مثل تبني سلوكيات غير واقعية، أو الاعتياد على إخفاء الهوية. ما يؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي.
«إعاقة اجتماعية» تهدد الأجيال
يلفت الخبراء إلى أن الإفراط في استخدام التكنولوجيا قد يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ“الإعاقة الاجتماعية”. حيث يفقد الفرد مهارات التواصل المباشر، مثل الحوار والتفاعل البصري.
كما يؤثر ذلك في جودة العلاقات، بما في ذلك العلاقات الزوجية، التي قد تتراجع فيها مستويات التفاعل الحقيقي لصالح التواصل الافتراضي.

التكنولوجيا.. أداة أم هدف؟
في ختام حديثه يؤكد تارهان أن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست المشكلة، بل طريقة استخدامها، مشددًا على ضرورة التعامل معها كأداة لتحسين الحياة، لا كبديل عنها.
ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على العلاقات الإنسانية، خاصة داخل الأسرة، حيث يمكن للاستخدام المفرط أن يحول الوسائل الحديثة من نعمة إلى خطر يهدد الاستقرار الأسري.
الرابط المختصر :

















