في مشهد بات مألوفًا في حياة الكثير من الأسر يقرر أحد الوالدين اصطحاب أطفاله إلى الحديقة بهدف تشجيعهم على اللعب بعيدًا عن الهواتف والشاشات. لكن ما إن يصل حتى يجلس على المقعد، ويسحب هاتفه المحمول، وينغمس في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.
وعندما يطلب الأطفال اللعب يأتي الرد المعتاد: «دقيقة واحدة فقط». دقائق تتحول إلى وقت أطول، وتضيع لحظات التفاعل الأسري دون أن يشعر أحد.
بينما يعكس هذا المشهد، الذي مر به كثيرون، واقعًا جديدًا فرضته الأجهزة الرقمية، وبات يؤثر بشكل مباشر في جودة العلاقات داخل الأسرة.
التكنولوجيا حاضرة دائمًا في الحياة اليومية
وفقًا لـ”ajnet” أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية للأسر حول العالم. ففي أستراليا تشير الإحصاءات إلى أن نحو 98% من الأسر تعيش في منازل تحتوي على جهاز واحد على الأقل متصل بالإنترنت.
ويقضي الآباء في المتوسط من 3 إلى 5 ساعات يوميًا في استخدام الأجهزة الرقمية. بينما يبلغ متوسط استخدام الأطفال نحو 2.5 ساعة يوميًا.
في حين تتجاوز هذه المعدلات، خصوصًا لدى الأطفال، الإرشادات التي يوصي بها أطباء الأطفال. إذ ينصح المختصون بعدم استخدام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام للأجهزة الرقمية أكثر من ساعة واحدة يوميًا.

سيطرة الشاشات على وجبات الطعام العائلية
لم تسلم أوقات العائلة المشتركة من هيمنة الهواتف المحمولة. فكثير من الأسر باتت تتبادل الرسائل النصية، أو تتفقد وسائل التواصل الاجتماعي، أو تتصفح الإنترنت خلال الوقت المخصص للعائلة. وتشير الأبحاث إلى أن نحو 47% من الأسر أفادت باستخدام الهواتف المحمولة أثناء تناول وجبة العشاء.
ويؤكد خبراء التربية أن انتظام الوجبات العائلية والتواصل على مائدة الطعام يؤديان دورًا مهمًا في نمو الطفل واستقراره النفسي.
والعائلات التي تتناول الطعام معًا غالبًا ما تكون أكثر تماسكًا، إلا أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا مهيمنًا على هذه اللحظات؛ ما دفع إلى إطلاق حملات توعوية مثل: حملة (#عشاء_بلا_أجهزة_رقمية) للتشجيع على استعادة هذا الوقت الأسري.
التدخل التكنولوجي
أطلق علماء الاجتماع مصطلح «التدخل التكنولوجي» أو (Technoference) على تدخل الأجهزة الرقمية أثناء التفاعلات الاجتماعية.
ويشير المتخصصون إلى أن هذا النوع من التدخل يحمل آثارًا عميقة في تربية الأطفال؛ إذ يصبح من الصعب على الوالدين الاستجابة لاحتياجات الطفل بوعي وفعالية أثناء الانشغال بالرسائل أو تصفح الهاتف. فالتفاعل الحقيقي يتطلب حضورًا ذهنيًا وعاطفيًا لا يمكن تحقيقه في ظل تشتيت الانتباه المستمر.
هواتف محمولة.. أطفال تعساء وآباء أكثر عدوانية
تكشف الدراسات عن أن الآباء الذين يتشتت انتباههم بسبب الأجهزة المحمولة لا يقل تفاعلهم مع أطفالهم فحسب، بل قد يميلون إلى معاملة أطفالهم بعدوانية أكبر.
كما تبين أن الأطفال الذين يتنافسون مع الأجهزة الرقمية للحصول على اهتمام والديهم يكونون أكثر عرضة لمشكلات سلوكية، مثل: الحزن والانعزال، وفرط النشاط، ونوبات الغضب.
وأظهرت نتائج بعض الأبحاث أن 50% من الأطفال يرون أن ذويهم يتفقدون هواتفهم أكثر من اللازم. بينما يقول 36% منهم إن الهواتف المحمولة تشتت انتباه آبائهم أثناء الحديث معهم؛ ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التواصل الأسري.
خطوات عملية لاستعادة التواصل العائلي
في ظل هذا الواقع يطرح المختصون عددًا من الخطوات العملية التي يمكن أن تساعد الأسر على تقليل تأثير الأجهزة الرقمية وتعزيز التواصل الصحي:
1- وضع خطة عائلية لاستخدام الأجهزة الرقمية
تساهم الخطط العائلية في تحديد كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وعدد مرات استخدامها، والأوقات والأماكن المسموح بها.
ويمكن استبدال الهاتف خلال تجمع العائلة بأنشطة بديلة، مثل: الألعاب اللوحية أو ممارسة الرياضة، وهي أنشطة تفاعلية تقلل من الاستخدام المفرط للأجهزة.
2- أن يكون الوالدان قدوة لأطفالهم
يتعلم الأطفال عادات استخدام الوسائط الرقمية من المحيطين بهم، لا سيما الوالدين.
لذلك من المهم أن يقدم الأهل نموذجًا صحيًا يقوم على الاعتدال، وعدم السماح للأجهزة بالتداخل مع الوقت العائلي أو النوم أو الأنشطة اليومية.
3- تخصيص سلة للأجهزة الرقمية داخل المنزل
عند اجتماع العائلة في نهاية اليوم يمكن وضع الهواتف والأجهزة في سلة مخصصة، مع تفعيل وضع «عدم الإزعاج» إن أمكن؛ لتجنب أي تدخل رقمي خلال الوقت العائلي.
4- التحكم في إعدادات الهاتف
صممت الهواتف لجذب الانتباه من خلال الألوان الزاهية والتنبيهات المستمرة.
ويمكن الحد من ذلك عبر إيقاف إشعارات وسائل التواصل والبريد الإلكتروني، أو ضبط الهاتف على التدرج الرمادي؛ بحيث تظهر التطبيقات الأساسية فقط.
5- مقاومة الرغبة في التوثيق المستمر
رغم أهمية توثيق اللحظات الجميلة فإن الحضور في اللحظة نفسها يجب أن يكون أولوية. فمشاركة اللحظات مع الطفل أهم من مشاركتها مع المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي.
6- مراقبة عادات الاستخدام الرقمي
كما تحسب تطبيقات اللياقة عدد الخطوات يمكن للأجهزة تتبع مدة الاستخدام.
وينصح بتفعيل خاصية «وقت الشاشة» ووضع أهداف شخصية لتقليل استخدام الهاتف بنسبة تتراوح بين 10% و25%، مع متابعة التقدم بشكل منتظم.
7- فهم أسباب الإدمان على وسائل التواصل
يرى مختصون أن بعض الآباء يستخدمون الأجهزة الرقمية كوسيلة للهروب من ضغوط الحياة أو سلوكيات الأطفال الصعبة. إلا أن هذا الاستخدام قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ يسعى الأطفال إلى لفت الانتباه بمزيد من السلوكيات السلبية.
وينصح بالبحث عن بدائل صحية لتخفيف التوتر، مثل: ممارسة الرياضة، أو التنفس العميق، أو الخروج مع الأطفال إلى الأماكن المفتوحة.
في نهاية المطاف يؤكد الخبراء أن استخدام التكنولوجيا يجب أن يكون واعيًا ومعتدلًا، وألا يحل محل الأنشطة الأساسية في حياة الأسرة، مثل: الوقت العائلي، والنوم، واللعب في الهواء الطلق، وممارسة التمارين الرياضية، والتواصل المباشر وجهًا لوجه.
والتوازن بين العالم الرقمي والعلاقات الإنسانية يظل مفتاحًا أساسيًا للحفاظ على أسرة متماسكة وصحية.



















