في مسيرة حياة الإنسان، تتوالى المراحل وتتغير الظروف، لكن يبقى سؤال جوهري يلوح في الأفق: إلى أي مدى يستطيع المرء أن يتجاوز أصله وبيئته الأولى؟ كثيرون يؤمنون بأن الجواب يكمن في مقولة “من شب على شيء شاب عليه”. أو في حكمة “الطبع يغلب التطبع”. مؤكدين أن الطباع المكتسبة في السنوات الأولى تظل هي القوة الخفية والأقوى التي توجه سلوكنا وقراراتنا، وكأن بصمات الطفولة حُفرت في الصخر.
التأسيس المبكر.. سنوات النحت العصبي
وفقًا لـ “medium” فإن قوة التنشئة المبكرة ليست مجرد فكرة عابرة، بل هي حقيقة مدعومة بعلم الأعصاب وعلم النفس التنموي. السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل هي فترة التشكيل العصبي الحاسم؛ حيث تبنى المسارات العصبية التي تحدد طريقة استجابته للمنبهات، وتعاملَه مع العواطف، ونظرته للعالم.
- نماذج العمل الداخلية: كما أشار عالم النفس جون بولبي، تنشئ تجارب التعلق المبكرة مع مقدمي الرعاية “نماذج عمل داخلية” مستقرة. إذا نشأ الطفل في بيئة آمنة وداعمة، يثبت نموذجًا إيجابيًا للذات وللآخرين. أما إذا سادت الفوضى أو الإهمال. فيترسخ نموذج يتسم بعدم الثقة أو القلق، وهذه النماذج تصبح بمثابة البرنامج الافتراضي الذي يدير سلوك البالغ. ويصعب تعديله لاحقًا دون جهد واعٍ ومضنٍ.
- عادات التفكير: الطفل الذي اعتاد على النقد والتوبيخ المستمر قد تتأصل لديه عادة “جلد الذات” والشعور الدائم بأنه “غير كافٍ”. وهذه العادة الذهنية تتحول إلى طبع داخلي يسبق كل تجربة جديدة.

البيئة كقيد والطباع كمغناطيس
إن الطباع المتأصلة لا تقتصر على السلوكيات فحسب، بل تشمل طرق التعامل مع السلطة، وأنماط اتخاذ القرار، وحتى طريقة التعبير عن الحب أو الغضب. فإذا نشأ الشخص في بيئة سيطرة (تحكم مفرط)، يتأصل لديه طبع التبعية والاعتماد على التوجيه الخارجي، حتى لو حاول التظاهر بالاستقلالية.
هذا الطبع يصبح أشبه بمغناطيس داخلي يعيد الشخص إلى نقطة البداية. ففي لحظات الضغط، أو عند مواجهة تحديات غير مألوفة، نجد أنفسنا نعود إلى “منطقة الراحة” القديمة التي اكتسبناها في طفولتنا، سواء كانت التهرب. أو العدوانية. أو الانسحاب العاطفي. الطبع هنا يغلب التطبع لأنه يمثل الحلول التي اعتاد عليها الدماغ للتعامل مع المواقف الصعبة.

هل هناك مفر؟
الاعتراف بقوة الطباع المتأصلة لا يعني الاستسلام لحتمية القدر. فبينما أن التغيير الجذري صعب، فإنه ليس مستحيلًا. لكنه يتطلب أولًا الوعي العميق بتلك البصمات الموروثة وتحليلها.
إن إدراك أن مشاعر القلق أو التردد ليست عيبًا ذاتيًا، بل هي رد فعل متأصل تم تعلمه في الطفولة، هو الخطوة الأولى نحو التحرر. هذا الوعي يمكن الإنسان من الشروع في “التطبع الواعي”؛ أي اختيار سلوكيات وردود فعل جديدة وتكرارها حتى تشكل مسارات عصبية بديلة.
في الختام، تبقى بصمات الطفولة هي الأقوى؛ لأنها وضعت الأسس. ولكن كبالغين. نملك القلم لكتابة الفصول القادمة. القلم لا يمحو ما كتب، ولكنه يستطيع أن يضيف سطورًا جديدة من المرونة والتعلم الواعي تفوق قوة الماضي.

















