الصداقة الحقيقية في فلسفة أرسطو.. لماذا هي نادرة؟

في وقت أصبحت فيه كلمة صديق تستخدم بسهولة لوصف مئات العلاقات على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو الصداقة الحقيقية أكثر تعقيدًا مما توحي به أعداد المتابعين وقوائم الأصدقاء.

وقد تناول الفيلسوف اليوناني أرسطو الصداقة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الحياة الجيدة، وميز بين أنواع مختلفة منها. تختلف بحسب الدافع الذي تقوم عليه والعلاقة التي تنشأ بين طرفيها.

ثلاثة أنواع من الصداقة

خصص أرسطو جزءً كبيرًا من كتابه «الأخلاق النيقوماخية» للحديث عن الصداقة، وقسمها إلى ثلاثة أنواع رئيسية: صداقة تقوم على المنفعة، وأخرى على المتعة، وثالثة على الفضيلة.

في صداقة المنفعة، تكون العلاقة مرتبطة بما يقدمه كل طرف للآخر، مثل التعاون بين الزملاء أو العلاقات التي تقوم على مصالح مشتركة. أما صداقة المتعة، فتتأسس على ما يجده الأشخاص في بعضهم من متعة ورفقة واهتمامات مشتركة.

Story pin image

ولا يعني ذلك أن هذين النوعين من الصداقة زائفان أو بلا قيمة، فقد تكون هذه العلاقات صادقة ومفيدة للطرفين. لكن أرسطو يرى أنها أكثر عرضة للتغير، لأن استمرارها يرتبط ببقاء المنفعة أو المتعة التي قامت عليها.

الصداقة القائمة على الفضيلة

يرى أرسطو أن أسمى أشكال الصداقة هي تلك التي تقوم على الفضيلة، حيث يقدّر كل شخص الآخر لما هو عليه، وليس فقط لما يمكن أن يحصل عليه منه.

في هذا النوع من العلاقات، يصبح الاهتمام بسعادة الصديق وازدهاره جزءً من العلاقة نفسها. لذلك لا تقتصر الصداقة على قضاء الوقت معًا أو تبادل المصالح، بل تتضمن الرغبة في أن يكون الطرف الآخر أفضل حالًا.

وهنا تظهر إحدى السمات المهمة للصديق والتي تتمثل القدرة على تقديم النصيحة الصادقة حتى عندما لا تكون مريحة. فالصديق الذي يهتم فعلًا بمصلحة صديقه قد يشير إلى أخطائه أو يلفت انتباهه إلى جوانب يحتاج إلى تطويرها، بدل الاكتفاء بالموافقة على كل ما يفعله.

لماذا يصعب العثور على هذا النوع من الأصدقاء؟

تحتاج الصداقة القائمة على الفضيلة إلى معرفة عميقة ومتبادلة بالشخصية، وإلى وقت طويل لبناء الثقة وفهم الآخر. كما تتطلب قدرًا من الصراحة والاهتمام المتبادل يتجاوز العلاقات العابرة.

ولهذا يرى أرسطو أن هذا النوع من الصداقة نادر نسبيًا، فالعلاقات القائمة على المنفعة أو المتعة يمكن أن تنشأ بسرعة. بينما تحتاج الصداقة العميقة إلى استمرار العلاقة واختبارها عبر المواقف المختلفة.

كما أن الصديق الحقيقي لا يكتفي بتقديم الدعم عندما تسير الأمور على ما يرام، بل يمكنه أن يكون حاضرًا عندما يواجه صديقه صعوبة أو يحتاج إلى توجيه صادق.

الصداقة في زمن وسائل التواصل

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي طريقة تكوين العلاقات والحفاظ عليها. فأصبح من الممكن التواصل مع عدد كبير من الأشخاص، ومتابعة تفاصيل حياتهم والتفاعل معهم بصورة مستمرة. لكن كثرة العلاقات الرقمية لا تعني بالضرورة وجود عدد مماثل من الصداقات العميقة.

This may contain: a group of women sitting around a table with food and drinks on top of it

فقد تمنحنا المنصات الرقمية شعورًا واسعًا بالتواصل، بينما تحتاج الصداقة الحقيقية إلى حضور وتفاعل وثقة وتجارب مشتركة. ولهذا يمكن أن يكون لدى الشخص عدد كبير من المعارف، مع وجود دائرة صغيرة فقط من الأشخاص الذين يعرفونه بعمق ويمكنه الاعتماد عليهم.

الصديق الحقيقي لا يكتفي بالموافقة

من أهم الأفكار التي تميز الصداقة القائمة على الفضيلة أن الصديق ليس بالضرورة الشخص الذي يوافقنا دائمًا. فالعلاقة العميقة تسمح بالاختلاف والنقاش وتقديم الملاحظات عندما يكون ذلك في مصلحة الطرف الآخر.

قد تكون الحقيقة التي يقدمها الصديق صعبة أحيانًا، لكنها تصبح ذات قيمة عندما تأتي من شخص يعرفنا ويهتم فعلًا بمصلحتنا. ومن هنا تختلف الصداقة الحقيقية عن العلاقات التي تقوم فقط على المجاملة أو البحث المستمر عن القبول.

الصداقة كجزء من الحياة الجيدة

بالنسبة إلى أرسطو، لا يمكن فصل الصداقة عن الحياة الجيدة. فالإنسان يحتاج إلى الآخرين ليس فقط للحصول على المنفعة أو المتعة، وإنما لبناء حياة تقوم على المشاركة والثقة والفضيلة.

Story pin image

ومن هذا المنظور، لا تقاس الصداقة بعدد الأشخاص الذين نعرفهم، بل بعمق العلاقات التي نستطيع بناءها والحفاظ عليها. وقد تكون دائرة صغيرة من الأصدقاء الذين يهتمون فعلًا بسعادتنا ونموّنا أكثر أهمية من شبكة واسعة من العلاقات العابرة.

تظل فكرة أرسطو عن الصداقة قائمة على تمييز من نحب وجودهم لأنهم يقدمون لنا شيئًا، ومن نحبهم لأننا نستمتع بصحبتهم، والأصدقاء الذي يصبح تقديرنا لهم مرتبطًا بشخصياتهم نفسها. وهذا النوع الأخير، بحسب تصوره، هو الذي يجعل الصداقة أكثر ثباتًا وعمقًا.

الرابط المختصر :