اتهم خبراء في الأمم المتحدة إسرائيل باستخدام التجويع كـ”سلاح حرب وحشي” يشكل جريمة بموجب القانون الدولي، مطالبين بإعادة تفعيل النظام الإنساني الأممي في قطاع غزة على وجه السرعة.
رغم بشاعة هذا الاتهام، فإن استخدام الغذاء كسلاح في الصراعات ليس بالأمر الجديد. فالتاريخ، لا سيما في أمريكا الشمالية، يقدم أمثلة دامغة على كيف استخدم التجويع كأداة استعمارية للسيطرة على الشعوب الأصلية وانتزاع أراضيهم.
كما ذكر “Rosalyn R. LaPier” الباحث في تاريخ السكان الأصليين، وأحد أحفاد من عانوا من هذه السياسات القسرية، “أعرف جيدًا ما يخلفه التجويع المتعمد من أثر مدمر يمتد عبر الأجيال”.
تفكيك أنظمة الغذاء الأصلية: سياسة ممنهجة
وفقًا لـ”theconversation” فمنذ نشأة الولايات المتحدة وكندا، سعى المستعمرون الأوروبيون إلى تجريد السكان الأصليين من مصادر غذائهم، سواء من خلال تدمير مزارعهم وماشيتهم، أو منعهم من الوصول إلى أراضي الصيد والزراعة التقليدية. الهدف كان واضحًا: إجبارهم على ترك أراضيهم.
في عام 1791، وجّه الرئيس جورج واشنطن أوامر إلى وزير الحرب، هنري نوكس، لتدمير قرى قبيلة ويا التي كانت تقطن وادي نهر أوهايو. هذا الوادي كان غنيًا بالمزارع وإنتاج الذرة والفاصوليا والقرع.
قام نوكس بإحراق الحقول، وتدمير الحدائق، وقطع بساتين التفاح، وإحراق المنازل، وخطف النساء والأطفال.
كما تذكر المؤرخة سوزان سليبر سميث في كتابها “ازدهار السكان الأصليين والغزو الأمريكي” (2018)، فإن الهدف من هذه الهجمات كان تدمير حياة السكان الأصليين حتى يجبروا على الرحيل.

تهجير شعب نافاجو: المسيرة الطويلة نحو المجهول
في عام 1864، أطلق الجنرال كيت كارسون حملة لإخضاع شعب نافاجو في مناطق ما يعرف اليوم بولايات أريزونا ونيو مكسيكو.
دمر القرى، قطع المياه، أحرق المحاصيل، وذبح الماشية، بل وأباد أكثر من 4000 شجرة خوخ.
وفي النهاية، أجبر أكثر من 10,000 فرد من النافاجو على السير قسرًا مئات الكيلومترات بعيدًا عن أراضيهم، فيما سمي لاحقًا بـ”المسيرة الطويلة”.

المجاعة كسلاح استعماري: درس من السهول الكبرى
بحلول أواخر القرن التاسع عشر، تسببت سياسات القضاء على قطعان البيسون (الجاموس الأمريكي). التي كانت تشكل العمود الفقري لنظام الغذاء لدى العديد من القبائل في حدوث مجاعات كارثية.
كان يقدر عدد البيسون في أمريكا الشمالية بنحو 60 مليون قبل الاستيطان الأوروبي. لكن بحلول تسعينيات القرن التاسع عشر، لم يتبق منهم سوى أقل من ألف.
هذا التدمير المتعمد أدى إلى انهيار النظام الغذائي لقبائل السهول الكبرى، التي كانت تعتمد على البيسون في الغذاء، والملابس، والمأوى.
يذكر المؤرخ دان فلوريس أن هذا الاستهداف لم يكن عشوائيًا، بل استراتيجية واضحة لانتزاع الأرض. حتى أن أحد الضباط الأمريكيين صرح بوقاحة:
“اقتلوا كل جاموس يمكنكم قتله، فكل جاموس ميت يعني هنديًا راحلًا”.
تجويع ممنهج في كندا: سياسة بلا رحمة
في كندا، كانت السياسات مشابهة.
بين عامي 1878 و1880، تجاهل رئيس الوزراء الكندي السير جون أ. ماكدونالد مجاعةً استمرت لسنوات في ما يعرف الآن بـ مانيتوبا وساسكاتشوان وألبرتا.
بحسب المؤرخ جيمس داشوك في كتابه “تطهير السهول” (2013)، فإن ماكدونالد قال بوضوح إن حكومته “تبذل قصارى جهدها لحرمان السكان الأصليين من الطعام حتى يصلوا إلى حافة المجاعة”.
أُجبر السكان الأصليون على أكل الكلاب والخيول وجثث الذئاب، وحتى أحذيتهم الجلدية. مات المئات من الجوع والمرض، فيما كان عدد السكان الأصليين في تلك المناطق يقدر بـ 26,500 نسمة.

“شتاء المجاعة”: ذاكرة لا تموت
ليست هذه مجرد قصص تاريخية، بل هي حكايات حية ما زالت تروى داخل الأسر.
في شتاء عامي 1883 و1884، شهدت محمية بلاكفيت في ولاية مونتانا ما يعرف بـ “شتاء المجاعة”.
قضي على قطعان البيسون، وواجه السكان الأصليون ظروفًا قاسية. حاول قادة بلاكفيت شراء الطعام بأنفسهم، لكن تأخر الإمدادات الحكومية أدى إلى مأساة.
سجل زعماء القبيلة نحو 600 وفاة بسبب الجوع، بينما قللت الحكومة الرقم إلى النصف.
وواصل “Rosalyn R. LaPier” كلامه قائلًا:”نجت أسرتي بفضل شجاعة من خرجوا للصيد وجمع الطعام بعيدًا عن المحمية. هذه القصة تروى في عائلتنا جيلاً بعد جيل، تمامًا كما تروى بين معظم أبناء بلاكفيت”.
ليس مجرد ماضٍ… بل واقع متجدد
قد يظن البعض أن استخدام التجويع كسلاح ينتمي إلى التاريخ، لكنه يحدث اليوم أمام أعيننا في أماكن مثل غزة، حيث تمنع الإمدادات الغذائية والطبية عن السكان، ويستخدم الجوع للضغط والسيطرة.
التاريخ يكرر نفسه، وإن اختلفت الجغرافيا. لكن العبرة أن التجويع ليس مجرد وسيلة للقتل البطيء، بل جريمة ضد الإنسانية يجب فضحها ومحاسبة مرتكبيها.



















