رغم الاهتمام الكبير الذي يرافق استقبال المولود الجديد، تبقى الصحة النفسية للأم بعد الولادة من الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، على الرغم من كونها عنصراً أساسياً في استقرار الأسرة. ففي الوقت الذي تنشغل فيه العائلات بالتجهيزات المادية، غالباً ما تهمل الحالة النفسية للأم، وما تمر به من تحولات عميقة على المستويين العاطفي والذهني.
تحول نفسي يعيد تشكيل الهوية
توضح د. ميرنا شوبح؛ أخصائية علم النفس الإكلينيكي، أن مرحلة ما بعد الولادة تمثل تحولاً داخلياً عميقاً في حياة المرأة، يعرف في علم النفس بمفهوم “الماتريسنس”، وهو تحول يشبه إلى حد كبير مرحلة المراهقة من حيث تأثيره على الهوية.
وتشير إلى أن الأمومة لا تقتصر على أداء دور جديد، بل تتضمن إعادة تشكيل شاملة للذات، حيث تتداخل الخبرات السابقة مع الحاضر لتكوين رؤية جديدة للحياة.
وتدعم الأبحاث الحديثة هذا الطرح، إذ أظهرت دراسات في علم الأعصاب حدوث تغيرات فعلية في دماغ الأم بعد الولادة، خاصة في المناطق المرتبطة بالتعاطف والانتباه، ما يعكس استعداداً فطرياً للتكيف مع متطلبات الأمومة.

قراءة نفسية أعمق للتجربة
من منظور التحليل النفسي، تعد هذه المرحلة إعادة تنظيم نفسي، تستحضر خلالها الأم تجارب طفولتها وعلاقتها بوالديها، وهو ما قد يثير مشاعر القلق أو الارتباك، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب لفهم أعمق للذات، وربما معالجة تجارب سابقة.
بين الكآبة العابرة والاكتئاب
تمر العديد من الأمهات بحالات نفسية متفاوتة بعد الولادة، أبرزها:
- الكآبة العابرة:حالة شائعة تظهر في الأيام الأولى نتيجة التغيرات الهرمونية، وتتسم بتقلب المزاج والبكاء دون سبب واضح، وغالباً ما تزول خلال فترة قصيرة، لكنها تحتاج إلى دعم عاطفي.
- اكتئاب ما بعد الولادة:حالة أكثر خطورة، قد تستمر لفترة أطول وتؤثر على جودة حياة الأم وعلاقتها بطفلها، وتتمثل أعراضها في الحزن المستمر، الإرهاق، وفقدان الاهتمام. ويؤكد المختصون أنها حالة صحية تستدعي العلاج والدعم، ولا تعكس ضعفاً شخصياً.
وتشير دراسات إلى أن العديد من حالات اكتئاب ما بعد الولادة في العالم العربي تبقى دون تشخيص، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية أو الشعور بالخجل.
دعم نفسي.. مسؤولية مشتركة
وبحسب”سيدتي” يشدد الخبراء على أهمية توفير بيئة داعمة للأم، سواء من خلال الأسرة أو المجتمع، عبر ممارسات بسيطة لكنها مؤثرة، مثل:
- الحصول على قسط كافٍ من الراحة
- تقاسم المسؤوليات مع الشريك
- التعبير عن المشاعر دون خوف
- طلب المساعدة عند الحاجة
كما ينصح باللجوء إلى جلسات استشارية أو مجموعات دعم، لما توفره من مساحة آمنة للتعبير عن التحديات النفسية بعيداً عن الأحكام.
كسر الحواجز الاجتماعية
ورغم التطور الملحوظ في خدمات الصحة النفسية في الدول العربية، لا تزال الحاجة قائمة لتعزيز الوعي المجتمعي، وتشجيع الأمهات على طلب الدعم دون خوف من الوصمة.
وتؤكد د. ميرنا شوبح أن دور المحيط القريب من الأم يظل حاسماً، مشيرة إلى أن سؤالاً بسيطاً مثل: “كيف حالكِ أنتِ؟” قد يحدث فرقاً كبيراً في تجربتها النفسية.

الأم أولاً
في ختام التقرير، يشدد المختصون على أن العناية بالصحة النفسية للأم ليست رفاهية، بل ضرورة أساسية. فالأم التي تتمتع بتوازن نفسي تكون أكثر قدرة على رعاية طفلها وبناء علاقة صحية معه، وهو ما ينعكس إيجاباً على استقرار الأسرة والمجتمع ككل.


















