كتبت: صبحة بغورة
تمكن فريق بحث سعودي في مركز الأبحاث بمستشفى الملك فيصل التخصصي من ابتكار تقنية جديدة ومتقدمة تسهم في فحص اضطراب طيف التوحد. وأوضح الدكتور هشام الضلعان، استشاري مخ وأعصاب الأطفال ورئيس قسم التوحد بالمستشفى، أن التقنية عبارة عن أداة بحثية تثبت في الأصبعين الوسطى والبنصر للطفل المصاب، وتتصل بشاشة كمبيوتر مهمتها تتبع حركة العين وانتباه الطفل للمحفزات البيئية المحيطة، وذلك من خلال عرض بضع مشاهد للطفل خلال 90 ثانية.
بينما تصل دقة التشخيص بهذه التقنية إلى 80%، في حين تبلغ حساسية الكشف 90%. وتمتاز هذه التقنية بموضوعيتها، إذ لا تتأثر بالعواطف البشرية، على عكس الطرق التقليدية التي تعتمد على استبيانات يملؤها الوالدان والتي قد تتأثر بالإنكار، كما أنها تقنية سريعة ودقيقة وملائمة للبيئة السعودية. وقد أشرفت على الدراسة كل من الدكتورة هناء العريسي والدكتورة ريم عبد العزيز.
كما تم إيداع التقنية الجديدة في المكتب الأمريكي لبراءات الاختراع في يناير 2023، وتم الحصول على الرخصة خلال أربعة أشهر وتسجيلها باسم مستشفى الملك فيصل، في إنجاز وطني بارز في هذا المجال، ويجري حالياً تسجيلها في دول أخرى. وتشمل الدراسة الفئة العمرية من سنة ونصف إلى 22 سنة.
اهتمام علمي بمرض التوحد
في مطلع ستينات القرن الماضي، بدأ الاهتمام العلمي بمرض التوحد يزداد. حيث توصّل العالم “كريك Greg” إلى فهم التوحد كاضطراب عصبي نمائي يؤثر على التواصل والسلوك الاجتماعي. ويضعف قدرة الطفل على تكوين الشخصية.
كما وضع العالم نقاطًا مهمة للتمييز بين التوحد وأمراض نفسية أخرى، حيث تبرز أهم علامات التوحد في تأخر تطور المهارات اللفظية وغير اللفظية. واضطرابات السلوك، واضطراب التفاعل والتواصل الاجتماعي، والميل المستمر للانعزال.

لا يرتبط التوحد بعوامل اجتماعية أو عرقية، ويصيب الذكور أكثر من الإناث بأربعة أضعاف. ويمكن للأسرة أن تتعرّف على التوحد وآثاره على حياة الطفل، والصعوبات النفسية والعقلية التي يعاني منها، ودور المرض في نموه العقلي، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة. تختلف شدة التوحد من حالة إلى أخرى، وتظهر أعراضه بشكل واضح من خلال ضعف التواصل البصري، تأخر الكلام، وعدم التفاعل مع الأسرة والمحيط، الميل للعزلة، التصرف بعدوانية عند الاقتراب منه، عدم معرفة كيفية اللعب، والصراخ عند محاولة التعبير، إضافة إلى رفرفة اليدين، السير على أصابع القدمين، الحساسية الشديدة تجاه بعض المواد، الترنح النمطي، التحديق الطويل في الأجسام المتحركة بشكل لولبي، وعدم الإحساس بالألم عند الاصطدام، وفرط النشاط، وعدم الاستجابة للنداء أو الأوامر البسيطة.
يرتبط التوحد في بعض الحالات باضطرابات أخرى مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD). من الضروري أن يُدرك الوالدان أهمية التشخيص المبكر في السنوات الأولى من عمر الطفل إذا ظهرت عليه أي من هذه الأعراض، لما لذلك من أثر كبير على نموه وتطوره ومستقبله، ولإيجاد علاج مناسب يعتمد على التدخل المبكر لرفع كفاءته وتمكينه من مواجهة الحياة. ويتحسن الطفل المصاب بالتوحد عندما يكون في بيئة أسرية داعمة تلبّي حاجاته النفسية والجسدية، ويُدرج ضمن برنامج علاجي وتعليمي شامل، يشمل أيضاً توفير برامج تعليمية مصورة على أقراص مدمجة تساعد الأهل على التفاعل الصحيح مع حالة طفلهم.
اضطراب في النمو العصبي
إن التوحد ليس مرضًا بل اضطراب، ويعرف على أنه اضطراب في النمو العصبي يؤثر على التطور في ثلاث مجالات أساسية. هي: الأولى، كيفية التواصل مع الآخرين ويتمثل في تأخر وانحراف ملحوظين في اللغة وفي القدرة على استخدامها؛ الثانية. غياب المهارات الاجتماعية، ويعني تأخرًا وانحرافًا شديدين في النمو الاجتماعي لا سيما فيما يتعلق بالعلاقات الشخصية. والثالثة، عدم المرونة في التفكير والسلوك. وفقدان القدرة على التخيل مع سلوكيات متكررة واعتماد على الروتين وتأخر شديد أو انعدام القدرة على اللعب التخيلي. أما المؤشرات المبكرة للتوحد فتظهر بوضوح من شدتها خلال المرحلة الأولى من الطفولة في بعض أو جميع الأعراض على الأطفال.
بينما من أبرزها: قلّما يشير الطفل إلى لعبة أو أشياء يحبها على سبيل المشاركة أو التفاعل الاجتماعي. ولا يستجيب عند مناداته باسمه ويبدو وكأنه أصم، ولكنه قد يستجيب لأصوات أخرى تصدر في البيئة المحيطة. كصوت حشرجة لعبة أو صوت فتح غطاء زجاجة أو علبة مثلًا، ولا يركز بصره على والديه بل يتفادى التواصل البصري معهما. ويصعب جعله يوجه بصره إلى الآخرين أو متابعتهم بنظراته أو جعله يلتفت إلى حيث يريدونه أن ينظر، ولا يصدر عنه أصوات المناغاة أو تقليد الأصوات.
ولا يتسلى بلعبة ولا يشارك الآخرين في اللعب بطريقة طبيعية بل يصف الألعاب في خط طويل ويكرر طريقة اللعب. ويفتقد القدرة على التخيل أو اللعب التمثيلي، ويعاني من ضعف في مهارات التقليد الحركي أو المحاكاة الصوتية. ويقلل من اهتمامه بالأشخاص المحيطين به ويغفل عن وجودهم ويبدو وكأنه يعيش في عالمه الخاص.
تأخر في التطور اللغوي
ولا يشارك في الألعاب البسيطة التي يحبها غيره من الأطفال الأسوياء، ولا يرفع يديه إلى الأعلى. ويظهر عليه تأخر وفقدان في التطور اللغوي فلا ينطق كلمات عند بلوغه 16 شهرًا من عمره. ولا يستخدم جملًا مكونة من كلمتين على الأقل عند بلوغه 24 شهرًا.
كما يجد صعوبة في فهم انفعالات وعواطف الآخرين ولا يستجيب لابتسامتهم أو يبادلهم إياها، ويواجه صعوبة في النوم ولا يستسلم للنعاس بسهولة. وتكون استجابته الحسية غير طبيعية فحاسته للألم أو الحرارة ضعيفة. وقد تظهر عليه اهتمامات بصرية غريبة كأن يوجه بصره إلى نافذة واحدة. أو يعمد إلى رفرفة الأصابع أمام الضوء، وتطرأ عليه نوبات غضب شديدة دون سبب واضح، ويصدر عنه حركات نمطية متكررة مثل الدوران حول نفسه.
بينما رغم تشابه أعراض التوحد فإن حدتها تختلف من حالة إلى أخرى، وتطور المهارات الاجتماعية واللغوية يحدث لدى نسبة قليلة. منهم تتراوح بين 10% إلى 25% بشكل طبيعي، والثابت أن الاكتشاف والتشخيص المبكر والتدخل العلاجي المبكر. وإدخال الطفل إلى المراكز المتخصصة مع توفير سبل التدريب المكثف بمعدل 40 ساعة أسبوعيًا. يزيد من فرص التقدم في تنمية مهاراته.


















