طوّر الباحثون في مايو كلينك طريقة مبتكرة لترميم القلوب المتضررة دون اللجوء إلى جراحة القلب المفتوح. وهو تقدم قد يحدث يومًا ما تحولًا في علاج فشل القلب.
يستخدم النهج الجديد نسيج قلبي مستزرع مخبريًا مصنوع من خلايا جذعية بالغة أُعيدت برمجتها. توصَّل عبر شق صغير بدلًا من فتح التجويف الصدري جراحيًا. وفي اختبار ما قبل سريري ساعدت رقعة الخلايا الجذعية على استعادة وظيفة القلب، وتعزيز عملية الشفاء.
“بالنسبة للمرضى المصابين بحالة شديدة من فشل القلب، لا يوجد سوى خيارات محدودة للغاية بخلاف المضخات الميكانيكية أو عمليات زرع القلب. ونأمل أن يوفر هذا النهج مسارًا جديدًا لتمكين المرضى من ترميم قلوبهم بأنفسهم”.
كما يشير ووكيانج تشو؛ حاصل على الدكتوراه، المؤلف الأول للدراسة المنشورة في مجلة Acta Biomaterialia. وباحث القلب والأوعية الدموية في مايو كلينك بولاية أريزونا.
عكس مسار ما لا يمكن عكسه
تظل النوبات القلبية أحد الأسباب الرئيسية للوفاة في جميع أنحاء العالم. فعند انسداد مسار تدفق الدم للقلب. تموت الخلايا المحرومة من الأكسجين ويحل محلها نسيج ندبي لا يمكنه الانقباض أو إرسال الإشارات الكهربية — ما يضعف قدرة القلب على ضخ الدم.
يشرح الدكتور تشو قائلًا: “لا يتجدد قلب الإنسان البالغ متى فقدت هذه الخلايا. لذلك يصعب علاج فشل القلب. لا سيما المزمن، الناتج عن فقدان وظائف العضلة القلبية. لأن عضلة القلب ببساطة عاجزة عن إصلاح نفسها”.
ظل العلماء لسنوات طويلة يعملون على اكتشاف طرق لاستبدال الأنسجة المتضررة بخلايا قلبية سليمة مشتقة من الخلايا الجذعية. وأظهرت الجهود المبكرة نتائج واعدة. ولكن تطلب أغلبها الخضوع لجراحة قلب مفتوح. وهي إجراء طبي ينطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة للعديد من المرضى الذين يعانون بالفعل من حالة شديدة من فشل القلب.
وقد ظل العلماء يأملون في أن توفر لهم الخلايا الجذعية وسيلة لإعادة ما يعجز الجسم عن تجديده. وبإعادة برمجة الخلايا البالغة العادية، مثل خلايا الجلد أو الدم، وتحويلها إلى خلايا جذعية مستحثَّة متعددة القدرات. يستطيع الباحثون دفعها تدريجيًا لتصبح خلايا قلبية بديلة.
ولكن ظل توصيل الأنسجة القلبية المعدلة المخلقة من هذه الخلايا بأمان وفعالية يشكل تحديًا كبيرًا.
ابتكار في صميم القلب
بالتعاون مع مهندسين في مركز جامعة نبراسكا الطبي، طوّر باحثو مايو كلينك رقعة مرنة ورقيقة للغاية. مصنوعة من ألياف نانوية وميكروية مغلفة بالجيلاتين.
تدعم هذه البنية الهجينة مزيجًا من الخلايا القلبية البشرية وخلايا الأوعية الدموية والخلايا الليفية. الخلايا التي تشكِّل الإطار الهيكلي للأنسجة، لتكوين نسيج قلبي حي نابض.
قبل عملية الزراعة، تضخ الأنسجة بعوامل نشطة بيولوجيًا مثل عامل نمو الخلايا الليفية 1 وجزيء CHIR99021. والتي تنشط نمو أوعية دموية جديدة وتساعد الخلايا على البقاء حية بمجرد وضعها في مكانها.
يقول الدكتور تشو: “يتمثل جمال هذا التصميم في إمكانية طيه مثل ورقة، وتحميله داخل أنبوب رفيع. وتوصيله بدقة إلى المكان المطلوب عبر شق صغير في الصدر. وبمجرد وضعه في المكان المطلوب، ينبسط ويلتصق بشكل طبيعي بسطح القلب”.
وبدلًا من استخدام الغرز الجراحية، استخدم الفريق مادة لاصقة جراحية متوافقة بيولوجيًا تثبّت الرقعة في مكانها، وتقلل الإصابات الإضافية التي تلحق بالنسيج المحيط.
وأظهرت النماذج في الاختبارات قبل السريرية أن الطريقة طفيفة التوغل حسّنت وظائف القلب. وقللت التندّب وعززت النمو الوعائي. وقللت الالتهاب مقارنةً بالأساليب التقليدية.
يقول الدكتور تشو: “أظهرت نتائجنا أن الأنسجة المعدلة لم تبقَ حية فحسب، وإنما ساعدت القلب أيضًا على شفاء نفسه. وهذا هو الهدف النهائي: استبدال المفقود واستعادة الوظائف”.
خطوة باتجاه التجديد
يتوافق هذا البحث بشكل وثيق مع مبادرة جينيسيس (Genesis) في مايو كلينك. التي تهدف إلى تسريع الاكتشافات التي تعمل على استعادة وظائف الأعضاء والأنسجة البشرية أو تجديدها.
يقول الدكتور تشو: “تهدف مبادرة جينيسيس إلى ابتكار طرق جديدة لترميم الجسم البشري أو إعادة بنائه. وهو تمامًا ما نقوم به هنا، نستخدم العلم التجديدي والتنفيذ طفيف التوغل لمنح القلب فرصة للتعافي”.
في الوقت الحاضر، يجرى ما يزيد عن 4000 عملية زراعة قلب في الولايات المتحدة سنويًا. بينما يتوفى آلاف المرضى أثناء انتظارهم الحصول على عضو من أحد المتبرعين. ويأمل الدكتور تشو أن تقدم هذه التكنولوجيا خيارًا إضافيًا.
ويضيف قائلًا: “تتمثل رؤيتنا في أن يتمكن المرضى في المستقبل من تلقي أنسجة قلبية معدلة مخلقة من خلاياهم المعاد برمجتها. والتي توصَّل من خلال إجراء طبي طفيف التوغل، دون الحاجة إلى عضو من متبرع أو قضاء فترة تعافي طويلة، فقط قلب أعيد ترميمه”.
الخطوات التالية
يخطط فريق مايو كلينك لتطوير هذا العمل من خلال الاختبارات قبل السريرية على نطاق أوسع لضمان مأمونية المعالجة وفاعليتها قبل الانتقال إلى التجارب السريرية البشرية. وهي الخطوة التي يقدر الدكتور تشو أنها قد تستغرق نحو خمس سنوات أو أكثر.
وضاف: “يظل فشل القلب حالة مميتة. وإذا تمكنا من توفير العلاج بالخلايا الجذعية لمزيد من المرضى. خاصةً الذين لا تسمح حالتهم بالخضوع لجراحة قلب مفتوح، فقد نتمكن من إنقاذ الأرواح”.



















