إقامة "مساحة" في الرياض: عندما يصبح الفن لغة الأحلام والتسامح والوعي البيئي
في قلب العاصمة السعودية الرياض، وتحديدًا داخل قاعة الأمير فيصل بن فهد للفنون، تحتضن الدورة التاسعة من برنامج إقامة “مساحة” تجربة فنية غنية تمتد من 20 أبريل حتى 12 يوليو 2025. البرنامج، الذي ينظمه معهد مسك للفنون، يوفر بيئة ملهمة للفنانين المحليين والعالميين تجمع بين البحث، والحوار الفني، والتجريب الحر، ضمن موضوع محوري يحمل عنوان “على حافة المعرفة”. بمشاركة 13 فنانًا من مختلف دول العالم، اجتمعوا حول ثيمة واحدة: “على حافة المعرفة”.
في تغطية خاصة لمجلة “الجوهرة”، التقت المجلة بعدد من الفنانين المشاركين في إقامة “مساحة”، حيث استعرضوا تجاربهم الفنية الفريدة، ورؤاهم الإبداعية التي جسدوا من خلالها قضايا الهوية، والاستدامة، والتسامح، من منظور فني معاصر.
أيجا جيلان: الأحلام أداة للشفاء والوعي البيئي
من بين المشاركين في هذه الدورة، برزت الفنانة التركية أيجا جيلان، التي تحمل رؤيتها الخاصة في ربط الفن بالأحلام والاستدامة البيئية. تصف نفسها بأنها “فنانة أداء وكاتبة بيئية”، وتستمد إلهامها من التأملات اليومية والأحلام، التي تعتبرها وسيلة فعالة لفهم الذات والطبيعة والعالم من حولنا.
مجسمات مطبوعة بالذكاء الاصطناعي
تتناول جيلان من خلال أعمالها الفنية – التي تشمل مقاطع فيديو تعليمية، ومجسمات مطبوعة بالذكاء الاصطناعي – موضوعات مثل تغير المناخ، والتكنولوجيا، والتوازن بين الروح والجسد. ومن أبرز مشاريعها: “أرض رملية، رموز أوراكل للسمات القديمة”، الذي يستلهم بصرياته من رمزية الحلم والتأمل البيئي.
تقول جيلان:
“الفن يمكنه أن يكون أداة فعالة لنشر الوعي البيئي، تمامًا كما يمكن للحلم أن يكون بوابة للشفاء والتغيير.”
إقامة “مساحة” في الرياض: عندما يصبح الفن لغة الأحلام والتسامح والوعي البيئي
التسامح حالة فنية قابلة للممارسة
على الطرف الآخر من التجربة الفنية، جاء الفنان البريطاني جيمس واغستاف، المقيم في الشرق الأوسط منذ 15 عامًا، ليطرح رؤية إنسانية عميقة حول مفهوم التسامح والغفران. في معرضه داخل “مساحة”، يستخدم واغستاف أدوات يومية – مثل الصخور والنظارات والسكاكين – لإثارة أسئلة حادة حول ما نحمله من آلام، وما يترتب على الغفران أو غيابه.
الفنان البريطاني جيمس واغستاف
صخرة لا ترى.. لكنها ترهقنا
وفي واحدة من أبرز لقطات المعرض، يضع واغستاف صخورًا على الأرض، كرمز بصري لثقل المشاعر التي نحتفظ بها في دواخلنا. يصف ذلك قائلًا:
“يشبه الأمر حمل صخرة معنا أينما ذهبنا، كم من الطاقة نهدر في التمسك بها؟ وكم سيكون أفضل لنا لو تخلينا عنها؟”
هذه المقاربة البسيطة والعميقة في آن، تجعل من المعرض مساحة للتأمل الفردي والجمعي، حيث يستطيع الزائر أن يرى الإسقاط الرمزي لصراعاته الشخصية في أعمال الفنان، ويتفاعل معها بحرية.
يشرح واغستاف رؤيته قائلًا: “أفكر كثيرًا في ما الذي يكلفنا المغفرة؟ وما الذي يكلفنا عدم المغفرة؟ كثير من الناس يعيشون كمن يحمل صخرة ثقيلة معه طوال الوقت. كم من الطاقة تهدر يوميًا في حملها؟”
هذه الرمزية البصرية التي تجسدها الصخور الموضوعة على أرضية المعرض، تدعو الزوار إلى التفكر في عبء الكراهية والمرارة، وتحثهم على تخفيف ثقل الماضي من أجل التقدّم نحو السلام الشخصي والجماعي.
إقامة “مساحة” في الرياض: عندما يصبح الفن لغة الأحلام والتسامح والوعي البيئي
الختام: الفن بوصفه حوارًا عالميًا
تجسد إقامة “مساحة” في دورتها التاسعة مثالًا حيًا على قدرة الفن على فتح قنوات الحوار العابر للثقافات، والمرتكز على قضايا إنسانية عالمية مثل التغير المناخي. التسامح، والبحث عن الذات. ومن خلال فنانين مثل أيجا جيلان وجيمس واغستاف. يتحول الفن من عمل بصري إلى تجربة شاملة، تخاطب العقل والقلب معًا، وتزرع بذور الفهم والوعي في تربة الحاضر.
في النهاية، تؤكد هذه التجربة أن الفن ليس ترفًا. بل ضرورة إنسانية، تذكرنا بأن الشفاء ممكن، والوعي قابل للزرع، وأن التغيير يبدأ من قرار، من حلم، أو من صخرة نقرر أخيرًا أن نتركها خلفنا.