حوار الغلاف

هدى الحليسي عضو مجلس الشورى: لابد من الاستفادة من اختيار الرياض عاصمة للمرأة العربية

النساء شقائق الرجال.. والعلاقة بينهما شراكة وتكامل وليس صراعًا

هدى الحليسي

ــ منزلنا كان ملتقى ثقافات متنوعة تعلمنا منه تقبل الآخر
ــ استضافتنا لقمة العشرين فرصة لتغيير الصورة النمطية للمرأة
ــ زوجي متفهم للغاية ودوره كبير في دعمي ونجاحي في عملي

حوار: حسين الناظر
نشأتُ في أسرة دبلوماسية، وتعلمت في الذخارج، وأتقنت عدة لغات، ما أكسبها استيعابًا أكبر للأمور، وألهمها الثقة والنجاح في الحياة العملية كأستاذة جامعية، ورئيس قسم اللغات الأوروبية والترجمة بجامعة الملك سعود؛ ما جعلها نموذجًا مشرقًا للمرأة السعودية والعربية؛ حتى اختيرت عضوًا بمجلس الشورى، لتسهم مع زميلاتها في صنع القرار لما فيه صالح هذا الوطن ومواطنيه..

إنها السيدة هدى عبدالرحمن الحليسي؛ التي كان لنا معها هذا الحوار..

كان لنشأتك في بيت دبلوماسي أثر كبير عليك، فما الذي تعلمتيه منها؟

كان والدي – رحمه الله- سفيرًا للمملكة في عدة دول، من بينها إيطاليا والنمسا والدانمارك وإنجلترا؛ حيث قضى بهذه الدول سنوات طويلة رافقناه خلالها، فكان دبلوماسيًا من طراز فريد، وكان يعد من رجالات الملك فيصل – رحمه الله -.
كان بيتنا مفتوحًا للجميع، خاصة السفراء وأسرهم، وحتى عندما ترك أبي العمل وعدنا للرياض، لم تنقطع زيارات السفراء والدبلوماسيين عن بيتنا.

كان منزلنا ملتقى كثير من الثقافات؛ ما جعلنا نتعود منذ الصغر على تقبل الآخر، سواءً كان مختلفًا عنك في الدين أو اللغة أو الفكر؛ فذلك أهم الدروس التي تعلمتها، إلى جانب احترام الجميع؛ رأيهم وفكرهم وثقافتهم وتقاليدهم، مهما كان مخالفًا لرأيك أو نمط حياتك، فمن المهم ألا تحكم على رأي أو موقف الآخرين دون فهم خلفياتهم، ولماذا وصلوا لهذا التفكير أو هذا التصرف.

وماذا تعلمتِ من والدتك؟

الحمد لله الذي حباني بأسرتي، ففضلًا عن والدي، كان لوالدتي – حفظها الله – دور كبير في التنشئة، فهي من عائلة مصرية عريقة؛ فوالدها هو الدكتور الشهير محمد بدر الدين؛ الذي كان الطبيب الخاص للملك فؤاد؛ وكان وكيلًا لوزارة الصحة، ورئيس البعثة منظمة الصحة العالمية في اليمن.

تجيد والدتي اللغتين الفرنسية والإيطالية؛ لذا تشربنا منها الذوق والحس والأناقة وتذوق كل جميل، وحرصت على تعليمنا البيانو والباليه كأنشطة كلاسيكية كانت تحرص عليها العائلات العريقة في هذا الوقت، وهي من اختارت لي ولأختي هالة الدراسة بمدرسة الليسيه فرانسيه.

ما المساحة المخصصة لأسرتك؟ وما مدى تفهمها لعملك؟

طبعًا الأسرة هي الأساس، فقد أكرمني الله بزوج متفهم جدًا؛ وهو الدكتور عبدالرحمن بن تركي العطيشان، أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك سعودالسابق، ورجل الأعمال الحالي، الذي له دور كبير في دعمي وتشجيعي لإكمال دراستي، ونجاحي في عملي، وتحمل ظروف عملي وسفري الدائم.

لي ولدان: عمرو وعبدالله، وابنة واحدة وهي ندى، وحفيدة واحدة “ليان”؛ اللمسة الجميلة التي أشرقت في حياتنا مؤخرًا.

والحمد لله أنهيت واجبي تجاه أولادي الذين كبروا وتخرجوا من الدراسة الجامعية، وبدأوا حياتهم المستقلة.

هدى الحليسي

تجربة التعليم في أوروبا، ماذا أفدت منها؟

منذ أن تفتحت عيناي، وجدت نفسي أعيش في روما؛ حيث التحقت بمدرسة فرنسية، وانتقلت وعمري ستة أعوام إلى لندن؛ حيث أكملت دراستي بمدرسة فرنسية حتى المرحلة الثانوية، ثم المرحلة الجامعية.

وبخلاف لغتي الأم العربية، أتقنت عدة لغات: الإيطالية وهي اللغة الأولى طوال حياتنا في إيطاليا، إلى جانب الفرنسية اللغة الأولى في المدرسة، والإنجليزية التي كانت لغتي الثانية في المدرسة بلندن.

تعلمت الكثير في دراستي، واطلعت على تاريخ فرنسا وتاريخ بريطانيا، إلى جانب جزء وافٍ عن تاريخ العالم من حولنا؛ ما جعلني أعي كثيرًا من الأمور، وأكوِّن وجهة نظر محايدة في ظل المعطيات الموجودة.

ولعل أهم ما أفدته هو تعلم كثير من الثقافات المختلفة من زملائي وزميلاتي الطلاب، الذين كان معظمهم أبناء سفراء ودبلوماسيين، من بلدان مختلفة؛ إذ كانت المدرسة ملتقى متنوعًا للثقافات والفنون والعادات والتقاليد، وكانت فرصة للتعرف على الآخر، وفهم واحترام التنوع والاختلاف؛ وهو ما لايتوفر لكثيرين في كل الأوقات.

التمسك بهويتي

لكن رغم كل هذه الاغتراب، كيف تمسكتِ بهُويتك، وهل وجدت صعوبة في هذا؟

أكيد كانت هناك صعوبات، ولكن أبي رغم عصريته- التي تبدو للجميع خارج البيت ومع الآخرين- كان رجلًا عربيًا شرقيًا متدينًا لأبعد الحدود، وكان شديد الاعتزاز بالدين الإسلامي وباللغة العربية، ومتشددًا معنا في كل ما يخص ديننا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، كنت وإخوتي نحفظ القرآن الكريم، ونتعلم اللغة العربية على يديه هو ووالدتنا.

كما كان عميدًا للسفراء العرب في بريطانيا في ذلك الوقت؛ حيث بادر هو وزملاؤه بإنشاء أول مسجد في لندن، وأول مدرسة عربية في بريطانيا.

حقوق المرأة

كثيرًا ما تثار قضية حقوق المرأة، فما تعليقك؟

هذه القضية لن تنتهي أبدًا؛ إذ يثيرها الغربيون ويستخدمونها في انتقادنا، لكن المرأة السعودية تتمتع بحقوق لا يحلمون بها، حقوق جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قبل قرون من تضمين هذه الحقوق في أدبيات ومناهج الفكر الغربي، فلدينا مساواة في كافة الحقوق بين الجنسين؛ مثل حقوق العمل، والرواتب.

ولا أنكر وجود ممارسات خاطئة في المجتمع كأي مجتمع آخر بفعل الاعتقادات الخاطئة البعيدة عن جوهر الدين وتقاليد المجتمع السعودي.

إذًا، لماذا سجنت المرأة العربية والسعودية في هذه الصورة النمطية طوال عقود؟

لأننا سكتنا كل هذا الوقت! ولم نُعرّف بأنفسنا كما يجب، فالتاريخ يقف عندهم في صورة الرجل العربي والمرأة العربية التي ظهرت في أفلام كلاسيكيات السينما الغربية؛ الخيمة والجمل والعباءة والجلباب.

وكثيرًا ما أفاجأ أثناء زياراتي للمنظمات والمنتديات الدولية بصحفيين يتساءلون عن قضايا المرأة السعودية، معتقدين أن التغيير الذي حدث في السنوات الأخيرة مجرد تغير سطحي.

غالبية هؤلاء لم يزوروا المملكة؛ لذا كونوا صورة نمطية مغلوطة من قراءاتهم لرؤى ووجهات نظر غربية.

وكيف يمكن تغيير هذه الصورة النمطية؟

بالطبع لن تتغير هذه الصورة سريعًا؛ لأنها تكونت عبر سنوات طوال، لكنها ستبدأ شيئًا فشيئًا في الاضمحلال.
ولنبدأ الآن؛ باستغلال نظرة العالم الآن للمملكة كدولة عظمى، وقوة اقتصادية وسياسية كبرى في الشرق الأوسط والعالم، فهي من بين الاقتصادات العشرين الكبرى، ولعل استضافتها لقمة العشرين هذا العام توجه الأنظار نحو هذا الجانب.

كذلك، لابد من الاستفادة من كون الرياض عاصمة للمرأة العربية هذا العام، للتسويق للمملكة والتعريف بالمرأة السعودية، وإبراز ما تتمتع به من حقوق، وما تقوم به من أدوار، وما وصلت إليه من تقدم، وإبراز قصص نجاح المرأة السعودية ليس في الوقت الراهن فحسب، بل عبر التاريخ، والتأكيد على الشراكة بين الجنسين في البناء والنهوض بهذا الوطن الغالي.

وبعد تجاوز محنة كورونا، أتمنى أن يقوم قادة الرأي والإعلاميون العالميون بزيارة المملكة والتعرف عن قرب على ما تعيشه بمواطنيها وليس بالمرأة فقط، من أمن وأمان ومواطنة تكفل كافة الحقوق لمواطنيها.

بعد تعيين المرأة عضوًا بمجلس الشورى وسفيرة ووكيلة وزارة، ما الجديد الذي تأملينه؟

لابد أن نعي أن هذا التطور كان طبيعيًا، فالوقت بات جاهزًا ومتقبلًا لهذه التغيرات التي تتم في ظل تغير المملكة ككل في عهد قيادتنا الرشيدة وفي ضوء توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان– حفظهما الله – فمبدأ الكفاءة صار من الشروط الرئيسة للتعيين في الوظائف القيادية؛ وبالتالي لافرق بين رجل وامرأة، فالعبرة بالأكفأ، وعلينا توقع الكثير والكثير مع الوقت بحكم التوازن المهم في المجتمع، وفي ظل تفوق المرأة في التعليم وفي الحصول على الشهادات العليا.

ما رؤيتك لمسألة النوع الاجتماعي أو “الجندر” ؟

نحن لدينا ميزة قلما توجد لدى غيرنا، فقد تربينا ونشأنا في ظل تعاليم الإسلام السمحة، وضوء القرآن الكريم؛ لذا أدعوك لتدبر الحديث النبوي “النساء شقائق الرجال”، فالمرأة أخت الرجل، والرجل أخوها، والعلاقة بينهما علاقة تكامل وشراكة، وليس صراعًا على من هو الأقوى.

ما الذي أضافته تجربة وجود المرأة في مجلس الشورى؟ وما تقييمك لهذه التجربة؟

التجربة ناجحة بكل المقاييس، فالعضوات جميعهن يمثلن المرأة السعودية في مجلس الشورى، وأمام العالم أجمع، بطريقة مثالية؛ حيث نقوم بدور فاعل ومؤثر في صنع القرار بنفس المساحة المتاحة لزملائنا الأعضاء، فنحن لا نعبر عن المرأة فقط وقضاياها، ولكن نسهم بفاعلية في كل الموضوعات والقضايا في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية وغيرها.

والحمد لله؛ أن ما يؤكد هذا شهادة جميع المراقبين، فقد بات هناك حراك أفضل وثراء في الحوار وطرح وجهات نظر متنوعة أفاد بالتأكيد العمل داخل مجلس الشورى، وانعكس على ما يخرج منه من قوانين تخدم المجتمع السعودي.

طفرة علمية

يشهد المجتمع السعودي تغيرًا كبيرًا؛ ما انعكاس ذلك على المرأة والأسرة السعودية؟

بالنسبة للمرأة، فقد تغيرت كثيرًا، بفعل الطفرة العلمية والتعليمية التي نعيشها، خاصة منذ إقرار برنامج الابتعاث، وإيفاد الفتيات جنبًا إلى جنب مع الفتيان – ما يؤسس لمبدأ المساواة – فقد تم إيفاد الآلاف من اللواتي عدن ولديهن فكر جديد، يحملن تجارب وخبرات تسهم في نمو وتطور المجتمع السعودي في إطار من تقاليده ومبادئه الراسخة.

وهذا أثر- إلى جانب الظروف الاقتصادية- في تأخير سن الزواج، وقلة عدد المواليد بالأسرة الواحدة، فالأسرة صارت أقل عددًا عما قبل، وهذا بالتأكيد ينعكس بالإيجاب على مستوى التعليم والصحة وغير ذلك.وأعتقد أن السنوات القادمة ستشهد مزيدًا من التطور للأفضل إن شاء الله.

كيف ترين أهمية التنسيق والتوفيق بين مهامك المختلفة؟

بتنظيم الوقت، من الضروري جدًا معرفة كيف ندير أوقاتنا جيدًا، وكيف نحدد أولوياتنا.

اقرأ أيضًا: د‭.‬فاطمة‭ ‬باعثمان‭:‬ أسعى‭ ‬لتبني‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي كهدف‭ ‬محليًا‭ ‬وعالميًا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق