تتربع واحة الأحساء الخضراء، إحدى أكبر الواحات الطبيعية في العالم، في قلب المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، لتشكل لوحة فنية بديعة من النخيل الباسق والعيون المتدفقة. وفي خضم هذه الواحة الساحرة، يرتفع جبل القارة، أو كما يسميه البعض “جبل الشبعان” أو “جبل الأخدود”، شامخًا، كشاهد حي على تاريخ عريق، وحاضنًا بين صخوره وتجاويفه حكايات أجيال توارثت العادات والتقاليد، لتنسج نسيجًا فريدًا يمزج بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر.
جبل القارة بمنطقة الأحساء السعودية
كما يعد جبل القارة بالمملكة السعودية تحفة جيولوجية طبيعية فريدة من نوعها، بتكويناته الصخرية العجيبة التي نحتتها عوامل التعرية على مر العصور. مكونة مغارات وكهوفًا طبيعية ذات درجات حرارة معتدلة صيفًا وشتاءً، ما جعلها ملاذًا للسكان المحليين والزوار على حد سواء. هذه الخاصية المناخية الفريدة، إلى جانب روعة التكوينات الصخرية. جعلت من الجبل نقطة جذب سياحية بارزة في المنطقة، ومصدرًا للإلهام لكثير من الحكايات والأساطير التي تناقلتها الأجيال.


قلب نابض بالعادات والتقاليد الأصيلة
بينما لا يقتصر سحر جبل القارة على جماله الطبيعي فحسب، بل يمتد ليشمل ما يحيط به من قرى صغيرة. إذ يقطنها سكان حافظوا على عادات وتقاليد متوارثة، تعكس عمق الانتماء للأرض والتراث. هذه العادات ليست مجرد طقوس تمارس، بل هي جزء لا يتجزأ من هويتهم الثقافية والاجتماعية، وتعد بمثابة خيوط متينة تربطهم بماضيهم العريق.
الكرم وحسن الضيافة
كما يعرف سكان الأحساء بشكل عام، وسكان القرى المحيطة بجبل القارة بشكل خاص، بكرمهم الفائق وحسن ضيافتهم. فما أن تطأ قدم الزائر ديارهم. حتى يجد نفسه محاطًا بالترحاب والدفء. تقدم القهوة العربية الأصيلة، رمز الكرم الأصيل، مع التمر الأحسائي الشهير، الذي يعد من أجود أنواع التمور في العالم. بينما لا تقتصر الضيافة على المشروبات والتمور، بل تمتد لتشمل المائدة العامرة بالأطباق الشعبية الشهية، مثل “المكبوس” و”الهريس” و”العصيدة”، التي تعد بحب وإتقان، تعبيرًا عن التقدير والاحتفاء بالضيف. كما يعد تبادل الزيارات بين الأهل والجيران جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي، وتعزز هذه الزيارات الروابط الأسرية والمجتمعية، وتعد فرصة لتبادل الأخبار والهموم والأفراح.


الأعياد والمناسبات واحتفالات بروح جماعية
تكتسي الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية في الأحساء المحيطة بجبل القارة طابعًا خاصًا من البهجة والاحتفال الجماعي. ففي عيدي الفطر والأضحى، تتزين البيوت وتقام الولائم، ويتبادل الناس التهاني والزيارات. يحرص الكبار على توزيع “العيدية” على الأطفال، وتُعد هذه اللفتة من أجمل العادات التي تُدخل السرور على قلوب الصغار وتُعزز لديهم قيمة العطاء.
كما تقام الاحتفالات الخاصة بالمناسبات الاجتماعية مثل الأعراس، إذ تُقام الليالي الشعبية التي تضج بالأهازيج والرقصات الفلكلورية الأصيلة، مثل “العرضة النجدية” التي تعد جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي للمنطقة. تُظهر هذه الاحتفالات مدى التماسك الاجتماعي، وتعزز روح التعاون والمشاركة بين أفراد المجتمع.


الحرف اليدوية إرث الأجداد وإبداع الأحفاد
حافظ سكان الأحساء، ولا سيما القرى المحيطة بجبل القارة، على العديد من الحرف اليدوية التي توارثوها عن أجدادهم. فصناعة “الخوص” من سعف النخيل، التي تستخدم في صنع السلال والحصائر والمفارش، لا تزال مزدهرة. كما تعد صناعة الفخار من الحرف التقليدية العريقة، إذ تُصنع الأواني والأطباق الفخارية التي تُستخدم في المنازل وتُعد تذكارًا مميزًا للزوار.
هذه الحرف ليست مجرد مصدر رزق للبعض، بل هي وسيلة للحفاظ على جزء هام من التراث الثقافي، وتعد تعبيرًا عن المهارة والإبداع الفني الذي يميز أبناء المنطقة. وتقام ورش عمل ومعارض لتعزيز هذه الحرف وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلمها والحفاظ عليها من الاندثار.

الأغاني والأهازيج الشعبية
تعد الأغاني والأهازيج الشعبية جزءًا لا يتجزأ من النسيج الثقافي لسكان الأحساء المحيطة بجبل القارة. فهي تعبر عن مشاعر الفرح والحزن، وتُروى من خلالها قصص الماضي وحكايات الأجداد. تغنى هذه الأهازيج في المناسبات الاجتماعية، وفي أوقات العمل، وحتى في جلسات السمر، لتضفي لمسة من البهجة والروحانية على الأجواء. هذه الأغاني ليست مجرد كلمات تُنشد، بل هي ذاكرة جماعية للمكان والإنسان، تحافظ على الأصالة وتُعزز الانتماء.

















