تجسد قلعة الدوسرية في منطقة جازان مقولة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء: “لدينا عمق تاريخي موغل بالقدم يتلاقى مع الكثير من الحضارات”. فهذا المعلم الذي يتربع على قمة جبل الشريف (أعلى قمة في مدينة جازان)، لا يمثل مجرد حصن عسكري قديم، بل هو ذاكرة حية تختزل تعاقب الدول والحضارات على أرض الجنوب السعودي.
موقع استراتيجي وتصميم عسكري رفيع
بارتفاع يناهز 150 إلى 250 مترًا فوق سطح البحر، تطل القلعة بهيبة على ساحل البحر الأحمر وميناء جازان. ما جعلها تاريخيًا نقطة الرصد الأولى للأفقين البري والبحري. كما تمتد القلعة على مساحة 900 متر مربع، وتتخذ شكل مربع هندسي مدعم بأربعة أبراج أسطوانية ضخمة، تتخللها كوات (فتحات) صممت بدقة للأغراض الدفاعية، ما يعكس طرازًا عسكريًا رفيعًا يشابه في تفاصيله قلعة “دار النصر” بأبي عريش.

لغز التسمية وتعدد الروايات
لطالما أثارت تسمية “الدوسرية” جدلًا بين المؤرخين؛ حيث تذهب الروايات الشفهية إلى نسبها لجيش “الدواسر” بقيادة الشيخ عبد الله بن درعان. أو لكونها مشتقة من كلمة “دوسر” التي تعني الكتيبة العظيمة من الجيش. ورغم اختلاف المؤرخين حول من وضع لبنتها الأولى بين من ينسبها للعهد العثماني ومن يراها من بناء الشريف حمود بن محمد الخيراتي إلا أن الثابت هو دورها المحوري الذي لم ينقطع عبر العصور.
محطات تاريخية.. من الحصن إلى المنارة التعليمية
لم تكن القلعة صامتة يومًا، فقد شهدت تحولات كبرى:
-
العهد العثماني والإدريسي: كانت مقرًا للحكم والسيطرة العسكرية.
-
عهد التأسيس السعودي: في عام 1351هـ، أمر الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه بترميمها لتستقر فيها أول حامية عسكرية سعودية، وشهدت استقبالًا رسميًا تاريخيًا للملك فيصل بن عبد العزيز (حين كان أميرًا).
-
الدور المعرفي: في لفتة حضارية فريدة، حول العالم الجليل الشيخ عبد الله القرعاوي القلعة من ثكنة عسكرية إلى منارة للعلم والتعليم، حيث اتخذها مقرًا لنشر المعرفة بين طلاب منطقة جازان.

الرؤية الحديثة.. التحول إلى وجهة سياحية عالمية
في إطار رؤية المملكة لتطوير المواقع التراثية، خضعت القلعة لعمليات ترميم شاملة بدأت في عام 2012م، شملت ثلاث مراحل رئيسية:
-
إزالة الأنقاض والكشف عن الهيكل الأصلي.
-
التطوير الإنشائي وتزويد المنطقة بالخدمات والكهرباء.
-
الاستثمار الثقافي من خلال إنشاء متحف داخل القلعة ليكون نافذة تطل منها الأجيال على تاريخهم العريق.

تظل قلعة الدوسرية اليوم رمزًا يجمع بين “السياحة المعنوية” والقيمة التاريخية، فهي لم تعد تراقب الأعداء، بل ترحب بالزوار والسياح والمصورين، لتقدم لهم مزيجًا فريدًا من عبق الماضي وجمال الحاضر المطل على زرقة البحر الأحمر.


















