من الراهبات إلى وصيفات الشرف، ومن البحارة إلى الهيبيين، لطالما شكل فن المكرمية منفذًا إبداعيًا للناس في جميع أنحاء العالم. لكن كيف استطاع شيء بسيط مثل ربط العقد الزخرفية أن يتواصل مع هذا العدد الكبير من الجماهير وأن يعاد تصوره بطرق مختلفة جذريًا.
هو نوع من أنواع الأشغال الفنية كتقنية صياغة المنسوجات باستخدام العقدة. لإنشاء أشكال مختلفة أو طريقة لعمل الأشكال المختلفة بواسطة إنشاء العقد بواسطة اليدين.
ويعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر. حيث استخدمها النساجون العرب لصنع حواف مزخرفة للحجاب أو الشالات. وفي القرن الثالث استخدمه الصينيون. حيث يعتقد المؤرخون أنّ عقدة بان تشانج الصينية يعود أصلها لفن المكرمية.

تاريخ البشرية الطويل والمعقد
على الرغم من أن معظم الخبراء يعتقدون أن فن المكرمية بدأ في الألف سنة الماضية، فإن البشر كانوا يربطون العقد منذ آلاف السنين. وفي جميع أنحاء العالم، من آسيا إلى إمبراطورية الإنكا، توجد أمثلة على استخدام العقد كوسيلة لحفظ السجلات, مع استخدامات عملية أخرى تشمل ربط شباك الصيد في اليونان القديمة.
تتمتع عقد الزينة بتاريخ عريق، ولا تزال العديد من العقد القديمة مستخدمة حتى اليوم. ففي الصين، على سبيل المثال، يعود تاريخ عقدة بان تشانغ إلى عهد أسرة سونغ (960 إلى 1279 ميلادي). وهي إحدى الرموز الثمانية للبوذية، وتعكس إيمان هذه الديانة بدورة حياة لا بداية لها ولا نهاية. وتعرف أحيانًا بعقدة الفراشة أو العقدة الصوفية، ويعتقد أنها تجلب الحظ السعيد لمن يرتديها.
معنى وأصل كلمة مكرمية
يعود أصل كلمة مكرمية إلى كلمة مجرمية، وهذه الكلمة مشتقة من اللغة العربية والتي تعني هامش. وبعض المؤرخين ينسبون كلمة مكرمية إلى اللغة التركية والتي تعني المنديل أو المنشفة. كما قد يعود معنى كلمة مكرمية في اللغة العربية إلى الدانتيل الخشن أو هامش مصنوع من خيوط أو حبال منسوجة بنمط هندسي.
هو أحد الفنون القديمة، ويطلق عليه فن الدانتل أو فن العقدة. ويتميز بأنه أحد الفنون العربية الأصيلة الراقية، بدأ عند النساج العرب فى القرن الثالث عشر، وبعدها انتشر فى إسبانيا وإيطاليا وكل أنحاء أوروبا. كما أنه أحد الفنون اليدوية hand made ويقبل الكثيرون على اقتناء مشغولات المكرمية كأحد المظاهر الجمالية لمنازلهم ويدخل هذا الفن فى كل أشكال الديكور .
ظهوره أول مرة
ظهر لأول مرة في الحضارة البابلية والآشورية وقد تم استخدامه كنوع من أنواع الفنون الراقية. والتي تكون على شكل ضفائر مهدبة تُستخدم في تزيين الأزياء المختلفة.
يعتقد أنه نشأ على يد النساجين العرب في القرن الثالث عشر. كان هؤلاء الحرفيون يعقدون الخيوط الزائدة على حواف الأقمشة المنسوجة يدويًا لتشكيل أهداب زخرفية على مناشف الحمام والشالات والحجابات.
كلمة ” مكرمية” الإسبانية مشتقة من الكلمة العربية ” مكرمة “، والتي يعتقد أنها تعني “منشفة مخططة” أو “هدب زخرفي” أو “حجاب مطرز”. بعد الفتح الإسلامي، انتقل هذا الفن إلى إسبانيا، ثم إلى إيطاليا، وخاصةً إلى منطقة ليغوريا، ثم انتشر في جميع أنحاء أوروبا. ودخل إلى إنجلترا في بلاط الملكة ماري الثانية في أواخر القرن السابع عشر، حيث علّمت الملكة ماري فن المكرمية لوصيفاتها.


مع الغزو الإسلامي لشبه الجزيرة الأيبيرية، الذي بدأ في القرن الثامن، انتقلت التقاليد العربية إلى أوروبا عبر إسبانيا ثم فرنسا. كما ساهمت الحروب الصليبية في الشرق الأوسط في تعريف زوجات وخدم الصليبيين بفن المكرمية، الذي حملوه معهم إلى ديارهم، وخاصة إلى إيطاليا في أماكن مثل جنوة.
سرعان ما أدركت الراهبات الأوروبيات، اللواتي برعن تقليديًا في التطريز وصناعة الدانتيل، واستخدمن مهاراتهن الحرفية لإنتاج قطع تُباع وتُستخدم أيضًا في الكنيسة، فوائد هذا النوع الجديد من الحرف اليدوية. وبفضل سهولة صنعه، قدّم فن المكرمية بديلًا أبسط لتقنيات صناعة الدانتيل المعقدة. وباستخدام مواد أدق، بدلًا من الصوف السميك الذي كان يُستخدم تقليديًا، ابتكرن دانتيلًا معقودًا جميلًا في لوحات زخرفية تُضاف إلى الملابس أو المفروشات. ويمكن رؤية أمثلة على أعمالهن في الملابس الدينية واللوحات.
حلول عصر النهضة، كانت النساء من جميع مناحي الحياة يمارسن “بونتو آ غروبو”، والتي تُترجم إلى الدانتيل المعقود. في القرن السابع عشر، نقلت ماري الثانية هذه التقنية إلى البلاط الإنجليزي. حيث علمتها لوصيفاتها، ووثق المؤرخون والساخرون هوسها بـ”عقد الخيوط”.
استخدم البحارة المكرمية
لم تكن النساء والكنيسة هما المسؤولتان الوحيدتان عن نشر فن المكرمية أو إيجاد طرق جديدة ومبتكرة لاستخدامه. احتضن البحارة، الذين كانوا بحاجة إلى معرفة عملية بعقد العقد لحياتهم في البحر، هذه التقنية، مستخدمين نفس العقد الأساسية المستخدمة في فن المكرمية، وإن كان ذلك أحيانًا تحت مسميات مختلفة.
وقدّم فن المكرمية، المعروف أيضًا باسم العقد المربع أو الأعمال الفنية أو دانتيل ماكنمارا، وسيلةً للتغلب على الملل خلال فترات الإبحار الطويلة. كما أتاحت لهم القطع الفريدة التي صنعوها فرصةً للمقايضة عند وصولهم إلى البر، بينهم وبين الرحالة الأمريكيين، بالإضافة إلى نسج أدوات معقودة كالأحزمة والمراجيح. وكانت المعرفة المتعلقة بالعقد قيّمةً للغاية لدرجة أنهم كانوا يتبادلون تقنيات ربط العقد فيما بينهم.
من خلال زيارة الموانئ في جميع أنحاء العالم وحمل هذه القطع معهم، ساعد البحارة في نشر هذه الحرفة اليدوية في جميع أنحاء العالم. حيث تم تطويرها بشكل أكبر وأحيانًا أعطيت بأسماء مختلفة، مثل الدانتيل المكسيكي.
وساهم في انتشار هذا الفن إلى أماكن مثل الصين والعالم الجديد. في القرن التاسع عشر، صنع البحارة البريطانيون والأمريكيون أراجيح وأهدابًا على شكل أجراس وأحزمة من المكرمية. وأطلقوا على هذه العملية اسم “العقدة المربعة” نسبةً إلى العقدة التي كانوا يستخدمونها بكثرة. كما أطلق البحارة على المكرمية اسم “دانتيل ماكنمارا”.
وهي المكرمية السميكة ذات الحبال، التي ظهرت في سبعينيات القرن العشرين، فلم تظهر فعليًا إلا بعد قرنين من الزمان، عندما أصبحت هواية بحرية شائعة. كانت الحبال السميكة الملتوية متوفرة بكثرة على السفن، وكانت مفيدة بشكل خاص عند عقدها لتكوين أغطية واقية لزجاجات الروم، مما يمنعها من التحطم عند سقوطها. أمضى البحارة، سواء العسكريون أو التجار، أيامًا طويلة في البحر يعقدون الحقائب والأكياس والأحزمة والسلال وحافظات الإبر، وحتى إطارات الصور. عندما كان البحارة الأوروبيون يرسون في موانئ أجنبية، وخاصة حول الصين أو اليابان، كانوا غالبًا ما يتبادلون منتجاتهم الحرفية مع سلع الحرفيين المحليين.

المكرمية العصر الفيكتوري
في أواخر القرن التاسع عشر، وجدت المكرمية حياة جديدة في المنازل الفيكتورية. وبفضل تناسقها المثالي مع الديكور الداخلي المبالغ فيه لتلك الحقبة، والذي قد يبدو مزدحمًا ومكتظًا في نظر العصر الحديث، أصبحت تفاصيل المكرمية الشبيهة بالدانتيل شائعة الاستخدام في المفروشات، والمدافئ، والستائر.
لكن جمالها لم يكن السبب الوحيد لانتشار فن المكرمية. ففي زمنٍ كان يتوقع فيه من نساء الطبقة المتوسطة الانشغال بالأعمال اليدوية كجزءٍ أساسي من الحياة المنزلية، مثّلت المكرمية خيارًا جذابًا لبساطتها النسبية مقارنةً بأنواع التطريز الأخرى. فبفضل تكرارها لعددٍ قليل من العقد الأساسية، كانت المكرمية أسهل في التعلم والإتقان، مع إنتاج نتائج جميلة ومرغوبة بنفس القدر. ما جعلها وسيلةً أبسط للنساء لأداء واجباتهن المنزلية وتجربة الحرف اليدوية الإبداعية.

فن المكرمية وكانت رائجة للغاية في العصر الفيكتوري. وقد عرّف “كتاب سيلفيا” (1882)، وهو كتابٌ مفضل عند القراء حول كيفية صنع دانتيل المكرمية بزخارف غنية للأزياء السوداء والملونة. سواء للارتداء المنزلي أو حفلات الحدائق أو النزهات على شاطئ البحر أو الحفلات الراقصة.
وزينة ساحرة للمفروشات المنزلية والملابس الداخلية. وكانت معظم المنازل الفيكتورية مزينة بهذه الحرفة. استخدمت المكرمية لصنع أدوات منزلية مثل مفارش المائدة وأغطية الأسرة والستائر.
اختلاف التقنيات
كما ساهم ازدهار الطباعة خلال الثورة الصناعية في ذلك، حيث ساهمت منشورات مثل “كتاب سيلفيا عن دانتيل المكرمية” في عام 1890 في تمكين المزيد من النساء من تولي عقد العقد بأنفسهن. مما أظهر لهن كيفية صنع المكرمية لكل شيء من المظلات والحقائب إلى الملابس والستائر.
خلال القرن السادس عشر، شاعت تقنيات المكرمية في إيطاليا تحت اسم “بونتو أ غروبو”، أي “العقد المعقودة” أو “الغرز المعقودة”. أمضت صانعات الدانتيل ساعات طويلة في العمل الدقيق على خيوط رفيعة، يصنعن مشاهد رقيقة من خلال عقد صغيرة.
حظي فن المكرمية ذو الطابع البحري بشعبية معتدلة حتى منتصف القرن العشرين. وقد استخدمت تقنيات المكرمية في صناعة وتصميم قبعات شبكية على طراز البحارة. وحقائب سهرة من خيوط الساتان، وشالات حريرية طويلة ذات تصميمات شرابة طويلة معقودة بدقة.


سمعة جديدة جذرية
عندما عادت فن المكرمية إلى صدارة الثقافة الشعبية، أحدثت ضجة كبيرة. تبنّى جيل الستينيات من القرن الماضي فن المكرمية. ليصبح رمزًا مناهضًا للصناعة ضمن حركتهم الثقافية المضادة.
استخدم الهيبيون الحرف اليدوية كوسيلة للتمرد على الرأسمالية والإنتاج الضخم. ولم يكتفوا باستخدام المكرمية كوسيلة للتواصل مع إبداعهم فحسب، بل وظّفوها أيضًا كلوحة فنية للتعبير عن مشاعرهم الراديكالية.
ابتكروا قطعًا لا تشبه بتاتًا مفارش أجدادهم الرقيقة، فأصبح فن المكرمية جريئًا وملفتًا، ليشق طريقه ليس فقط إلى ديكور المنازل. بل إلى عالم الموضة أيضًا. باختصار، إذا كان بالإمكان تزيين أي شيء بالمكرمية، فغالبًا ما كان يزيّن بها.
سرعان ما انتشرت شهرة فن المكرمية بشكل كبير في الثقافة الأوسع، وأصبح هواية شائعة يتم تعليمها للأطفال. وظهرت في النهاية في منازل وخزائن ملابس الأشخاص “العاديين” الذين لم يكونوا جزءً من حركة الثقافة المضادة الأوسع.
حركات ثقافية مضادة
رغم انحسار شعبية فن المكرمية، إلا أنه كان يحظى بشعبية واسعة خلال سبعينيات القرن العشرين كوسيلة لصنع معلقات جدارية. ملابس، وأغطية أسرّة، وسراويل جينز قصيرة، ومفارش موائد، وستائر، وحوامل نباتات، وغيرها من المفروشات. وبحلول أوائل ثمانينيات القرن العشرين، بدأ فن المكرمية يفقد شعبيته مجدداً كأحد صيحات الديكور.
وساهم تضافر حركات ثقافية مضادة في دمج هذا الفن في التيار السائد. فقد تحدّت الفنانات “الفن الراقي” و”الحرف اليدوية” مستخدمات تقنيات مثل المكرمية لصنع منسوجات وأعمال فنية نحتية تتألف من عقد كلاسيكية وغير تقليدية.
أما الهيبيون وحركة العودة إلى الطبيعة، الذين سحرهم ملمس وبساطة هذه الحرفة. فقد بدأوا بعقد الأحزمة، وحاملات النباتات، والسترات، وعصابات الرأس، والستائر.
واليوم، يستلهم عشاق أسلوب “البوهو شيك” من تصاميم منتصف القرن هذه. كما تمتلئ بيوت الشواطئ الساحلية بأغطية مصابيح المكرمية، وتتدلى منها أراجيح معقودة من أسقف الشرفات.
لكن فن المكرمية عاد ليحظى بشعبية واسعة، وهذه المرة في شكل مجوهرات، مثل القلائد والخلاخيل والأساور. وتتميز هذه المجوهرات، التي تعتمد بشكل أساسي على العقد المربعة، بخرز زجاجي مصنوع يدويًا وعناصر طبيعية كالأحجار الكريمة والعظام والأصداف.

ميلاد فن المكرمية الحديث
رغم أن جماليات السبعينيات المبالغ فيها، وما صاحبها من انتشار واسع للوحات جدارية على شكل حيوانات. قد تراجعت شعبيتها مع مرور الوقت، إلا أن فن المكرمية نفسه لم يختفِ تمامًا.
فهو يحظى بشعبية خاصة في التصميم الداخلي. حيث تضفي منسوجات المكرمية وحوامل النباتات لمسةً دافئة على الصور الرائعة المنتشرة على إنستغرام.
على الرغم من أن ممارسي فن المكرمية المعاصرين يستخدمون نفس العقد والتقنيات التي استخدمتها الملكات والبحارة والعصر الفيكتوري. إلا أنهم يواصلون إيجاد طرق جديدة لجعل هذه الوسيلة تعكس اللحظة الحالية. حيث ينتجون كل شيء من الملابس والحقائب اليدوية ذات الطابع البوهيمي الأنيق إلى المجوهرات والديكور المنزلي فائق الحداثة.

تشمل المواد المستخدمة خيوطًا مصنوعة من القطن والكتان والقنب والجوت والجلد أو الخيوط الصوفية. غالبًا ما تصنع المجوهرات باستخدام مزيج من العقد وأنواع مختلفة من الخرز (زجاج أو حجر أو خشب) أو المعلقات أو الأصداف.
كما أنه متعدد الاستخدامات بشكل لا محدود. فباستخدام التقنيات نفسها، يمكن صنع شريط صغير من الدانتيل أو أرجوحة متينة تتحمل وزن ثلاثة أشخاص. وأحيانًا تستخدم نقاط محورية في القلائد، مثل الخواتم أو الأحجار الكريمة. إما ملفوفة بسلك لتثبيتها أو مثبتة في شبكة من العقد المتشابكة.

في عصر الاتصال الرقمي، تحولت المكرمية أيضًا إلى فرصة للاسترخاء والانفصال عن العالم الرقمي والاهتمام بالذات. مما يسمح للناس بالتباطؤ والتعبير عن أنفسهم بشكل إبداعي.
تعد المكرمية جزءًا من تقاليد تعليمية غنية، بتقنيات تنتقل من جيل إلى جيل، ولا تزال تعكس كيف يمكن إعادة تفسير مادة واحدة بلا حدود. مما يعني أنه لم يكن من السهل أبدًا اكتشاف طرق جديدة لإضافة لمستك الخاصة على هذا التقليد الذي يعود تاريخه إلى قرون.



















