ولد فان جوخ عام 1853 في جروت زندرت بهولندا، وكان والده يعمل قسيسًا بكنيسة البلدة. فنشأ و ترعرع في وسط ديني هذه النشأة التي أثرت فيه كثيرًا خلال مراحل حياته بعد ذلك.
لم يحظ فان جوخ بطفولة مدللة؛ حيث إن أسرته ذات الميول الدينية حاولت أن توفر له تعليمًا تقليديًا. لكنه ترك الدراسة في السادسة عشرة من عمره رحل مع عمه إلى مدينة لاهاي. وذلك لكي يعمل معه في إحدى القاعات المتخصصة في بيع الأعمال الفنية سواء من الآثار القديمة أو من إنتاج الفنانين المعاصرين. حيث كان عمه يقوم بإدارة تلك القاعة، وكانت تلك القاعة الفنية تتبع مؤسسة «جوبيل» الشهيرة بباريس. خلال تاريخ الفن الطويل.
لم يترك فنان أثرًا بهذا العمق العاطفي كالذي تركه فنسنت فان جوخ. لقد تحول هذا الهولندي القلق والمتوتر إلى أيقونة فنية اتفق الجميع على الوقوف أمامها بإعجاب ودهشة. وأصبحت لوحاته التي لم تجد من يشتريها في حياته، من أكثر اللوحات شهرة، وأغلاها ثمنًا في سوق الفن العالمي.
فان جوخ يمكن وصفه بأنه خلاصة فنية اجتمعت وتبلورت في شخصيته وسلوكه وأعماله التشكيلية على حد سواء. إنه يذكرنا بأولئك المبدعين الكبار الذين مروا كالبرق في حياتنا وتركوا وراءهم ندوبًا لا يمكن تجاهلها ولا الاستغناء عنها. أمثال الشاعر الفرنسي رامبو، والفيلسوف الألماني نيتشه وآخرون ممن امتزجت حياتهم بإبداعهم حد التطابق. واكتست بطابع دراماتيكي يجمع بين المرارة والتوق والكشف عن آفاق جديدة لم يقترب أحد منها بعد.

المؤثرات في حياة فان جوخ
تأثر واستفاد فان جوخ من عمله في تلك القاعة الفنية كثيرًا؛ حيث تعرف إلى العديد من الفنانين واطلع على مئات اللوحات. وزاد إعجابه وتحمسه للفن والفنانين؛ ما جعله يتميز كثيرًا في عمله، ويتمكن بمنتهى المهارة من إقناع العملاء بشراء اللوحات الفنية. وعندما وجدت المؤسسة هذا الاجتهاد من فان جوخ والمهارة في جذب العملاء قررت نقله إلى لندن لكي يدير فرع المؤسسة بها.
وعلى الرغم من النجاح الذي حققه فان جوخ إلا أن دوام الحال من المحال، فما لبث أن وقع أسيرًا في هوى إحدى الفتيات. والتي قام بطلبها للزواج فما كان منها إلا أن هزأت به ورفضت طلبه.
وكانت هذه هي أولى المآسي التي مر بها جوخ في حياته فانقلب حاله ودخل في اتجاه ديني وأصبح بدلًا من أن يحث عملاءه على شراء اللوحات ويحدثهم عن جمالها. أصبح يحثهم على التدين؛ مما جعل المؤسسة تسعى لنقله إلى أحد الفروع في باريس. وتدهورت حالته النفسية كثيرًا وأصبح أكثر كآبة وحزنًا فتقدم باستقالته وقرر أن يكرس حياته من أجل الخدمة الدينية.

مآسي فان جوخ
مر فان جوخ بفترة كئيبة من حياته ظل متأثرًا فيها بحبه القديم لهذه الفتاة التي صدته ولم تقابل حبه بما يماثله. وبعد أن قدم استقالته قرر جوخ الاتجاه إلى لندن لكي يعمل كمدرس للغة الفرنسية ولكن لم يغير هذا من حالته النفسية شيئًا. بل زاد اكتئابه وعزلته، فقرر العودة مرة أخرى إلى هولندا. حيث قام فيها بالالتحاق بمعهد لاهوتي في العاصمة أمستردام، وظل يدرس به لمدة ستة أشهر، ولكنه لم يستمر.
وتركه من أجل العمل كواعظ بين عمال المناجم والفلاحين بقرية في بلجيكا، اندمج جوخ كثيرًا بين الفلاحين والعمال والمرضى. حيث عمل على تخفيف آلامهم والتعايش معهم فكانت حياته تتمحور حولهم فقط، فلا يأكل أو ينام إلا معهم حتى أهمل مظهره وتدهورت حالته. وهو الأمر الذي لم يرض السلطات الدينية؛ لأنهم لم يقتنعوا بطريقته في تطبيق التعاليم الدينية. فقاموا بطرده من العمل قبل أن يمر عليه عام من بدء تسلمه له.
بداية الرسم والحياة
طرد فان جوخ من عمله كواعظ فزادت حياته كآبة وانكسارًا، ولكنه هذه المرة لم يخضع للاستسلام. بل قرر أن ينهض من جديد ليمسك بالفراشي والألوان ويستأنف هوايته القديمة التي طالما عشقها. ساعده في طريقه الجديد هذا أخوه «ثيو» والذي قام بتوفير المال اللازم له من أجل أن يقوم بممارسة هوايته والتي أبدع فيها. وفي سن السابعة والعشرين التحق فان جوخ بأكاديمية الفنون في مدينة «انفري». حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته كلها فن.
تنقلت ريشة فان جوخ بين اللوحات في منتهى الرشاقة معبرة عن العديد من المناظر والأحداث التي عايشها في حياته، فقام برسم الفلاحين وعمال المناجم وغيرهم من الشخصيات، بالإضافة إلى ذلك العديد من اللوحات التي غلب عليها الطابع الحزين القائم. وقد أطلق على هذه المرحلة من رسومات فان جوخ اسم «المرحلة الهولندية» وكانت ما بين عامي (1854 – 1855).
رحل بعد ذلك إلى باريس للإقامة مع أخيه «ثيو» والذي كان يعمل تاجرًا للصور ومهتمًا باتباع الاتجاهات الحديثة في الفن. فكان يعمل مدير فرع لإحدى المؤسسات الفنية، فأقاما معًا في استوديو بحي «مونمارتر».
تألق جوخ وحالة الفنان
بدأت الأمور تستقر في حياة فان جوخ؛ حيث بدأت الحياة تأخذ ألوانًا أخرى زاهية بدلًا من الألوان القائمة التي سيطرت على حياته في الفترة السابقة. ازدهرت لوحاته وتألقت في هذه الفترة من الحياة فاتجه لدراسة النظريات والاتجاهات والأساليب الفنية الحديثة.
كما ناقش أصحابه فيها، بل عمد إلى تجربتها في لوحاته هو الشخصية، وتعرف إلى العديد من الفنانين مثل تولوز لوتريك. وبول جوجان مرحلة جديدة من التألق والتجديد بدأت في الزحف إلى حياة فان جوخ. حيث عبرت لوحاته المشرقة الجميلة في هذه الفترة عن حالة من السعادة والحيوية عاش فيها.
وبعد أن قضى في باريس عامين قرر السفر إلى بلدة «آرل» بمقاطعة «بروفانس» في الجنوب الفرنسي وكانت تتميز هذه البلدة بطبيعتها وجمالها الساحر. ما أثر كثيرًا في الحالة النفسية له فأبدع العديد من اللوحات الجميلة في هذه الفترة والتي تمتعت بالحيوية والإشراق كلوحة «عباد الشمس» و«حقول القمح».


علاقته بغوغان
حاول فان جوخ من خلال عشقه للفن أن يجعل منزله رابطة للفنانين فقام بتوجيه دعوة لبول غوغان من أجل أن يأتي للإقامة معه. إلا أنه ومع وصول جوجان بدأت سلسلة جديدة من المشكلات والتوترات تدب في حياة فان جوخ مرة أخرى. حيث كان الاثنان دائمي الشجار والخلاف حول العديد من النقاط؛ ما أثر سلبًا في نفسية جوخ، والذي بدأت أعصابه تنهار تدريجيًا. فما كان يتم التصالح بينهما حتى تدب سلسلة جديدة من المناقشات والتوترات بينهما مرة أخرى.

وكان نتيجة لهذا أن قرر جوجان الابتعاد والرحيل ولم تتحمل أعصاب جوخ الضعيفة المزيد فبدأ يمر بحالات من الهياج والاكتئاب والعصبية. وفي إحدى هذه النوبات قام بقطع أذنه ثم ربط رأسه. ويقال إنه قام بإرسال أذنه هذه إلى حبيبته التي طلبت منه هذا على سبيل المزاح. ازدادت حالة جوخ سوءًا فكانت تنتقل من سيئ إلى أسوأ، فما كان من أخيه إلا أن قام بنقله إلى أحد مستشفيات الأمراض العقلية.
من أشهر لوحاته الفنية النادرة لوحة ليلة النجوم التي رسمها في المصحة العقلية، وأيضًا لوحة آكلو البطاطا. ولوحة الحذاء ولوحة الكرسي. وحجرة النوم، وله أيضًا الطبيعة الصامتة، باقات الورد.



انتحار الرسام فان جوخ
في 29 يوليو من العام 1890 أطلق الرسام الهولندي الشهير الرصاص على نفسه وتوفي عن عمر 37 عامًا. و تكافئ شهرة فان جوخ شهرة دافنشي وبيكاسو. وتتضمن رسومه بعضا من أكثر القطع الفنية شهرة وشعبية وأغلاها سعرا في العالم. فقد رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية في عشر سنوات هي طوال حياته كفنان؛ لأنه بدأ الرسم في سن السابعة والعشرين.
إن أمثال فان جوخ قليلون لأنه كان يخطط جيدًا لأعماله وظهر ذلك جليًا من رسائله التي كان يكتبها لأخيه ثيو. لم يبع جوخ إلا عملًا واحدًا في حياته في معرض Lee XX في بروكسل وهي The Red Vineyard وعاش فقيرًا معدمًا. فان جوخ اسم عظيم في عالم الفن التشكيلي. فهو الفنان الذي استطاع أن يحظى باحترام وتقدير وإعجاب مؤرخي ونقاد وعشاق الفن التشكيلي في كافة أرجاء العالم. ما جعل أعماله تحتل مكانًا بارزًا ومتميزًا في متاحف العديد من الدول.

ولعل أشهرها متاحف موسكو ولينينغراد.. وغيرها، بالإضافة إلى تلك الشعبية العارمة التي يتمتع بها في كافة دول أوروبا وأمريكا. وكذلك دول العالم الثالث التي لا توجد فيها لغة واحدة لم ينشر بها كتاب أو أكثر عن فان جوخ». بخلاف الأفلام السينمائية والروائية والتسجيلية التي تناولت حياة هذا الفنان. وربما هذا الشغف كان السبب الأول في استمرار نشر واستنساخ لوحاته.
رسائل فان جوخ لشقيقه
لعل رسائل فان جوخ الكثيرة التي بعث معظمها إلى أخيه ثيو، لعبت دورًا كبيرًا ليس في شهرته في أوساط الناس وعشاق الفن ونقاده. بل في تسليط الضوء على جوانب من شخصيته وأفكاره، ووجهات نظره في الحياة والحب والفن. كان فان جوخ يكتب بحرارة لا تقل عن حرارة لوحاته وقوة عاطفتها.
لقد كان الشقيقان يتر اسلان باستمرار وقد بلغ عدد هذه الرسائل أكثر من 700 وهي تشكل أغلب معرفتنا بتصورات فان جوخ حول حياته الخاصة وحول أعماله. وقد صدرت عنها كتب ودراسات كثيرة، كما أقيمت لها معارض منها معرض أقيم في العاصمة الهولندية أمستردام.
تحت عنوان الفنان يتكلم عام 2009، انتقل بعد ذلك إلى الأكاديمية الملكية، وضم المعرض أكثر من مائة رسالة كتبها فان جوخ. وأحاط فيها بعدد من أشهر لوحاته؟ بما فيها لوحة غيمة الأبقار فوق حقل القمح التي رسمها قبل أيام من إطلاق رصاصة مسدس على صدره مساء الأحد 27 يوليو 1890 نقرأ في تلك الرسائل مشاعر ثرية تنبع من أعماق الفنان.
نماذج من رسائل فان جوخ لشقيقه
عزيزي ثيو: إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة. إنني أتعفن لولا ريشتي وألواني هذه أعيد بها خلق الأشياء من جديد. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطأها الزمن. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطًا وألوانًا جديدة، غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كل يوم.

كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي. هل هي كذلك في الطبيعة أم أن عيني مريضتان؟ ها أنا أعيد رسمها كما أقدح النار الكامنة فيها.
ويكتب ثانية، عزيزي ثيو أبعث لك مرة أخرى كلمات قليلة أخفف بها عن نفسي وعنك. لقد نصحتك بتدمير كتبك، وأن تنفذ ذلك فورًا، قم بذلك الآن. نعم. افعل ذلك، فسوف يمنحك شعورًا بالراحة، لكن اهتم أيضًا أن لا يصبح أفقك محصورًا وضيقًا، بالخوف من قراءة ما كتب ببراعة. على العكس فإن القيام بذلك شيء مريح في الحياة.
أيًا كانت الأشياء حقيقية، وأيًا كانت الأشياء صادقة، وأيًا كانت الأشياء منصفة، وأيًا كانت الأشياء صافية، وأيًا كانت الأشياء جميلة. وأيًا كانت الأشياء جيدة، إذا كان هناك أي تأثير، وإذا كان هناك أي مدح تذكر كل ذلك. ابحث عن النور والحرية، لا تتعمق في تأمل شر الحياة.


















