لم يكن رحيل المبدعة حياة الفهد مجرد خبرٍ يمرّ في يوميات أحزاننا، بل كان لحظةً ثقيلة في الوعي الجمعي، تجبر الذاكرة على التوقف أمام منجزٍ فنيٍّ وإنسانيٍّ استثنائي. وتستدعي مراجعة هادئة لمعنى الفن حين يتحول من أداء عابر إلى ذاكرة وطن. ومن حضورٍ على الشاشة إلى بصمةٍ في وجدان الناس.
فستة عقود من العمل المتصل لم تنتج حضورًا مؤقتًا، بل صنعت أثرًا متجذرًا في الوعي. يتجاوز حدود الشاشة إلى عمق التجربة الإنسانية في الخليج. حيث امتزج الفن بالواقع. وتحولت الشخصيات إلى ملامح مألوفة في البيت والشارع والذاكرة.
لقد كانت حياة الفهد، بما امتلكته من حسٍّ فنيٍّ رفيع، أكثر من مجرد ممثلة تؤدي أدوارًا مكتوبة؛ كانت حالة إبداعية قائمة بذاتها. وضميرًا دراميًا يلتقط التحولات الاجتماعية الدقيقة، ويعيد تقديمها في قالبٍ إنسانيٍّ صادق.
لم يكن حضورها قائمًا على الاستعراض أو المبالغة، بل على قدرة نادرة في النفاذ إلى التفاصيل الصغيرة. التي تشكّل في مجموعها صورة المجتمع بكل تعقيداته وتناقضاته. كانت تشتبك مع الواقع، وتطرح الأسئلة الكبرى عبر تفاصيل الحياة اليومية. فبدت شخصيتها مرآة صادقة للناس، لا انعكاسًا متكلفًا لهم.
وفي هذا السياق، لم تكن أعمالها ترفيهًا خالصًا بل كانت خطابًا اجتماعيًا متزنًا يلامس قضايا المرأة والهوية والعدالة والتحولات الأسرية بلغة هادئة في ظاهرها. لكنها نافذة في عمقها، قادرة على إثارة التأمل وإعادة التفكير في المسلّمات. لقد استطاعت أن توازن بين الفن كرسالة، والفن كمتعة، دون أن تفقد أحدهما لحساب الآخر، وهو توازن لا يبلغه إلا من أدرك جوهر المهنة.
ومع امتداد هذه التجربة عبر عقود، لم تكن القيمة في طول المسار وحده. بل في القدرة الاستثنائية على الحفاظ على الثبات الفني دون الانفصال عن روح العصر. فقد أدركت الفهد مبكرًا أن الاستمرارية الحقيقية ليست في تكرار الأدوار أو استنساخ النجاح، بل في التجدد الواعي. وفي القدرة على إعادة تعريف الذات الفنية مع كل مرحلة، دون أن تفقد أصالتها أو صدقها. وكان هذا الوعي سببًا في أن تبقى حاضرة في أذهان الأجيال المختلفة، لا بوصفها رمزًا من الماضي، بل كصوتٍ ما زال يتجدد في الحاضر.
لقد شكّلت مسيرتها أيضًا مدرسة غير مباشرة في الأداء، ومرجعًا للأجيال التي جاءت بعدها، ليس فقط في التمثيل. بل في فهم معنى الالتزام الفني، واحترام المتلقي، والإيمان بأن الفن مسؤولية قبل أن يكون شهرة. ومن هنا، فإن حضورها لم يكن فرديًا بمعناه الضيق، بل كان ممتدًا في أثره، متعديًا لشخصها إلى فضاء أوسع من التأثير والإلهام.
وبرحيلها، يطوى فصلٌ مهم من تاريخ الدراما الخليجية، لكنه طيٌّ شكليّ لا يطال الجوهر؛ إذ إن الأثر الذي خلّفته يظل عصيًا على الغياب. حاضرًا في كل عمل يعاد، وفي كل مشهد يستذكر، وفي كل شخصية ولدت من أثرها أو تأثرت بمدرستها. فالفن الحقيقي لا يخضع لقانون الفناء، بل يعيد إنتاج نفسه كلما استعيدت أعماله، وكلما استدعت الذاكرة ملامحه.
وهكذا تغيب القامات الكبرى بهدوءٍ يليق بعظمتها، وتترك خلفها حضورًا يتجاوز حدود الغياب. ويؤكد أن ما يُصنع بصدقٍ وإخلاصٍ ووعيٍ عميق، لا ينطفئ برحيل صاحبه. بل يتحول إلى أثرٍ ممتد، وذاكرةٍ حيّة، ومعنىً لا يشيخ. وهي بالتأكيد ليست نهاية حضور بل منطلق خلودٍ من نوعٍ آخر؛ خلود تصنعه القيمة.
















