عبد الناصر غارم.. ريشة تمزج الموروث بالحداثة

عبد الناصر غارم.. ريشة "المقدم" التي توازن بين موروث الأرض وآفاق الحداثة
عبد الناصر غارم.. ريشة "المقدم" التي توازن بين موروث الأرض وآفاق الحداثة

نادرًا ما نجد فنانًا يستطيع الجمع بين صرامة البدلة العسكرية ورحابة الخيال التشكيلي، لكن الفنان السعودي عبد الناصر غارم استطاع أن يكسر هذه القاعدة. ولد غارم في خميس مشيط عام 1973، وتخرج من أكاديمية الملك عبد العزيز الحربية عام 1992، ليشغل رتبة مقدم في الجيش السعودي، وهي خلفية انضبطت فيها رؤيته الفنية، فجعلت من أعماله نموذجًا فريدًا يزاوج بين صمود “الأصالة” وانطلاق “المعاصرة”.

الأصالة.. استنطاق الرموز والجذور الثقافية

بحسب “artmarks” لا ينفصل فن غارم عن تربته الأولى؛ فهو يغوص في أعماق التراث السعودي والبيئة المحلية ليستخرج منها رموزًا بصرية تعيد تعريف الهوية. كما يتجلى هذا الالتصاق بالأصالة في توظيفه للعناصر المعمارية الإسلامية التقليدية والزخارف التي تعكس العمق الحضاري للمملكة. في عمله الشهير “رسالة/رسول” (2010)، لم يكن استخدام الحمامة مجرد اختيار جمالي، بل كان استدعاءً لرمزية السلام الكونية ودمجها برؤية بصرية مستمدة من الوجدان الديني والثقافي المحلي. ما خلق لغة فنية تتحدث بلهجة سعودية أصيلة.

عبد الناصر غارم.. ريشة “المقدم” التي توازن بين موروث الأرض وآفاق الحداثة

المعاصرة: ابتكار الأدوات وعولمة الخطاب

في المقابل، لم يكتفِ غارم بالوقوف عند حدود المحاكاة التقليدية، بل انطلق نحو المعاصرة من بابين عريضين:

  • التقنيات المبتكرة: تميز غارم باستخدام خامات غير تقليدية، لعل أبرزها “الأختام المطاطية”. هذه الأداة التي ترتبط عادة بالبيروقراطية والجمود الإداري، تحولت بين يديه إلى وسيط فني يبني من خلاله لوحاته (كما في عمله Pause – 2016)، محققًا بذلك ثورة في المفهوم المادي للوحة التشكيلية.
  • الرسائل الكونية: لم يعد الفن لديه مجرد لوحة جمالية، بل منصة لمناقشة قضايا إنسانية كبرى مثل العولمة. التطرف، والتحولات السياسية والاجتماعية. هذا الطرح جعل من فنه خطابًا يتجاوز الحدود الجغرافية، ليخاطب المشاهد في نيويورك أو لندن بذات القوة التي يخاطب بها المشاهد في الرياض.
عبد الناصر غارم.. ريشة “المقدم” التي توازن بين موروث الأرض وآفاق الحداثة

أعمال خلدت الفلسفة التوازنية

كما برزت في مسيرة غارم أعمال شكلت نقاط تحول في الفن العربي المعاصر، ومنها:

  1. “رسالة/رسول” (2010): وهو عمل تركيبي مذهل استطاع من خلاله أن يثبت أن التراث ليس قيدًا، بل هو منطلق لتقديم رؤية معاصرة شاملة.
  2. لوحة “Pause” (2016): التي جسدت قمة ذروته في استخدام الأختام المطاطية، حيث وظف التكرار والدقة لصناعة مشهد بصري حديث يحمل دلالات فكرية عميقة.

الفن كجسر بين زمنين

كما يمثل عبد الناصر غارم حالة فنية استثنائية في المشهد السعودي والعربي؛ فهو لم يضحِّ بالأصالة في سبيل الحداثة، ولم ينغلق في التراث خوفًا من التجديد. لقد استطاع أن يقدم معادلة فنية صعبة، جعلت منه “سفيرًا فوق العادة” للثقافة السعودية في المحافل الدولية، مبرهنًا على أن الفن الصادق هو الذي يضرب بجذوره في الأرض، بينما يصافح برأسه سماء العالمية

الرابط المختصر :