البيت

صبحة بغورة تكتب: لمـة إفطار رمضان

من أجمل اللحظات الاجتماعية المباركة في شهر رمضان المعظم، اجتماع أفراد الأسرة ومعهم من حضر من الأقارب في العائلة الكبيرة حول مائدة الإفطار بشكل منتظم ومعلوم وفي موعد محدد طوال أيام الشهر المبارك، ولاشك أن سمات مثل هذا التقليد الدوري الأصيل هو من بين أسرار فرحتنا بقدوم شهر رمضان وابتهاجًا بسماع أذان المغرب.

العلاقة بين مناسبة تجمع أفراد الأسرة في وقت واحد معا لتناول الإفطار المبارك وبين تخفيف حدة المشاكل النفسية لدى البعض أو المظاهر السلوكية العصبية التي طرأت على أحدهم دون قصد منهم أثناء الصيام، هي علاقة حقيقية قائمة وثابتة ومؤكدة، وهي فرضية صالحة أيضا وممتدة طوال أيام السنة؛ إذا جرت بما لا يقل عن 3 مرات أسبوعيًا وإذا تمت في أجواء عائلية حميمة، ودودة، ومريحة للجميع، فمن آداب المائدة عدم مناقشة المشاكل أو إثارة الحساسيات وقت تناول الطعام أو تأنيب أحدهم أثناء الأكل على تصرف معين وتوجيه التوبيخ لآخر على قول صدر منه.

جرت دراسات جادة على أثر تجمع أفراد الأسرة بانتظام لتناول الطعام معا في وقت واحد، وأسفرت عن نتائج غير متوقعة، كانخفاض معدل التدخين لدى المراهقين بنسبة بلغ 20 %، كما قل معدل تعاطي المخدرات بنسبة تراوحت بين 10 ـ 20 % لدى المراهقين المنتمين لأسر تجتمع بانتظام، وتراجعت نسبة الإعجاب بالذات لدى المراهقين والاهتمام المبالغ فيه بالمظهر بنسبة 10% وتراجعت حالات الانتحار لدى المراهقات بنسبة 15% وحالات الاكتئاب بنسبة 15%.

إن اجتماع العائلة يوميًا على مائدة الطعام، له تأثيره المباشر على الأطفال؛ حيث قلّ معدل حدوث اضطرابات الأكل النفسية بنسبة 30%، وزاد معدل الإقبال على الطعام الصحي المتكامل لدى الأطفال بنسبة 24%، وقلّت نسبة البدانة والسمنة بسبب زيادة الوزن لدى الأطفال من الجنسين بنسبة وصلت إلى 12%.

يتيح تجمع أفراد الأسرة بشكل منتظم حول مائدة رمضان وفي باقي أيام السنة، فرصة للآباء والأمهات، متابعة أولادهم عن كثب، وملاحظة ما يطرأ عليهم من تغيير في حالتهم النفسية وتوجهاتهم الفكرية ومعرفة آرائهم بشأن سيرهم الدراسي والقضايا الاجتماعية بشكل عام.

أيضًا، مناسبة طيبة لإبراز اهتمامهم بهم وتقديم دعمهم المعنوي لهم وتشجيعهم على تحقيق التفوق والنجاح، والتعاطف مع أحلام أبنائهم وبناتهم مشاركتهم اهتماماتهم، وتوجيه ميل الأطفال لتناول نوعية الغذاء الصحي المتوفر على المائدة وتشجيعهم عليه، ولاشك عندما يعطي الآباء المثل سيكون قدوة لأبنائه ويقلدونه في ذلك .

من بين أهم التأثيرات الإيجابية لتجمع العائلة، ترتبط بنسبة كبيرة بخلفيات الأسرة؛ حيث يكون انتظام الأسرة في تناول الوجبات معا أغلب أيام الأسبوع انعكاس لالتزامات اجتماعية واسعة وتقاليد عائلية أصيلة واعتبارات دينية أعمق، تلعب دور العامل الحاسم لإحداث الآثار الإيجابية لتجمع الأسرة.

وإن حرص الآباء على تجمع الأسرة معا، يجب أن يكون مصحوبًا بأساس جيد من العلاقات والأخلاقيات داخل نطاق الأسرة، لأنه دون هذا الأساسي يصبح تجمع الأسرة لقاء شكلي فارغ من أي موضوع وبدون أي محتوى مثمر ونافع، ومعلوم أن الكبار قدوة الأطفال والمراهقين؛ لذا، يجب أن لا يتحول تجمعهم إلى جلسات الغيبة والنميمة، ولا ينبغي مقارنة نتائج أطفال العائلة وتحصيلهم الدراسي لما في ذلك من آثار نفسية سيئة وانعكاسات معنوية مدمرة.

وقت العائلة مخصص للتواصل المباشر بين أفراد الأسرة وليس الانشغال طوال الوقت ببرامج التلفزيون، كما يجب التوجيه بأن وجود عدد كبير من أفراد العائلة ليس بيئة مناسبة لتوبيخ المراهقين على أخطاء صدرت منهم في وقت سابق؛ لأن الأمر يسبب حرجا كبيرًا، والأجدر الإشادة بصوم صغيرهم لأول مرة، والحديث عن مذاق الطعام والثناء عليه، وتبادل الخبرات بين النسوة في طرق الإعداد والتحضير والعادات الشهيرة المتصلة بأصناف الطعام المختلفة.

هكذا تكون للمة مائدة رمضان مظهرًا إنسانيا لصلة الرحم في أبهى صورها وأرقى درجاتها وأسمى معانيها، فأيام رمضان الممتعة تصنعها الأجواء العائلية التي يؤمن أفرادها بأنه عندما يشعرون بما هو أفضل في الحياة، فإن حياتهم ستكون أفضل.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: حمى تسوق النساء في رمضان

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى