استشارات

صبحة بغورة تكتب: رفقًا بالقوارير

ما أفظع أن يكون الزوج بخيلا تجاه زوجته، ولا أقصد البخل المادي بل المعنوي أو ما يعرف بالشح العاطفي، وفظاعة هذه الحالة أنها عامل مدمر ولا تنسجم أبدًا مع طبيعة الرابطة الزوجية التي من المفروض أن تكون باعثًا لسكينة النفس والرحمة المتبادلة.

ومن هنا كانت الغرابة التي تتطلب وقفة عندها، فما دفعني للفضفضة حول هذا الموضوع أن هذا البخل العاطفي أصبح في واقع حياتنا يضرب بقوة العلاقات الزوجية ويفكك أوصالها ومفاصلها ويذيب وشائجها، فيصيب أحد أهم المقومات الأساسية لنجاح استمرارية عقدة النكاح ويهدد بدرجة كبيرة تماسك الكيان الأسري ووجوده وبقائه.

البخل العاطفي ظاهرة جديدة في مجتمعاتنا، ظاهر مرضية قد تعود أسبابها الى ظروف التنشئة أو إلى العادات والتقاليد السائدة وقد تكون مستجدة في سلوك الزوج لظروف طرأت على حياته جعلته لا يختلف كثيرًا عن الصنم لا يقوى على التعبير عن عواطفه، و يحجم عن ابداء اعجابه بكل شيء سواء في شخص زوجته أو ما تصنع يديها، لا تثيره العبارات الدافئة والكلمات الحميمية واللمسات الناعمة فلا فعل منه ولا رد فعل له، يبدو كمن تحجرت على لسانه الكلمات وذبلت في نفسه الأحاسيس الرهيفة وتجمدت المشاعر الجميلة.

هذا الوضع يضعنا أمام حقيقة توقف التواصل وانقطاع الاتصال بين الزوجين، وأمام فرضية أن لا يمثل لقاؤهما أسمى المعاني في الوجود المكللة بأجمل العواطف وأرق الكلمات المخضبة بألوان الحب المتواصل والمتبادل الذي أودعه الله في قلبيهما وأوحى به إليهما وأسكنه في نفسيهما، وهذا ما كان من المفروض أن يقع، ولكن هل تستقيم الحياة الزوجية بمباهجها ومسراتها و إشباعاتها المختلفة مع البخل العاطفي خاصة إذا كان أصيلا متأصلا في الزوج، أو كان حتى عارضا في حياته ثم استحکم فيه؟

اقرأ أيضًا.. صبحة بغورة تكتب: أسئلة الأطفال الجنسية.. كيف نتعامل معها؟

إن طول أمد هذه الحالة قد يدفع الزوجة الى أحد الأمرين، إما أن تأخذها العزة بالنفس فتبادل بخله ببخل مماثل منها هو في الحقيقة لن يفيدها ولن يضره وإنما سيفتح ذلك عليها بابا واسعا أمام رياح الجفاف العاطفي، وأعاصير الجفاء وزوابع الهجر.. ثم إلى الفراق وهي النتيجة الطبيعية لوضع شاذ، أو أن تصبر على حال لا تعلم مداه حتى تجد نفسها في موقف المتسولة للكلمة الحلوة الطيبة.

وفي أفضل الأحوال، لن تخرج لقاءاتهما الحميمية عن الطابع الروتيني البارد، وهذا الطريق أيضا محفوف بالأمراض، لأنه يورث ضغطًا عصبيًا ونفسيًا رهيبًا على المرأة وخاصة على ذات الشخصية الحساسة والمزاج الرومانسي التي غرقت سنوات في بحر أحلامها مع فارس لياليها الوردية، يسمعها من الكلمات ما لم تسمع، ويريها من ألوان الحب ما لم تعلم؛ فيشبع نفسها التواقة للغرام الجميل والعشق الشريف.

لذلك، القليلات من النبيلات من تمكن عبور هذه المرحلة دون السقوط في المحظور، ولكن كان ذلك على حساب صحتهن ، فأشد ما يصيب الزوجة بالانهيار هو إحساسها ببرودة الوحدة رغم تقاسمها الحياة مع زوجها، وبالجوع العاطفي رغم وجوده جنبها.

وما أكثر السيدات اللائي أصبن بالاكتئاب ولجأن إلى تعاطي الحبوب المهدئة نهارًا والأقراص المنومة ليلًا حتى أصبحن مدمنات ولا يستطعن الحياة بصورة هادئة وطبيعية بدونها، فانتهى أمرهن إلى التردد على العيادات النفسية.

لا شك أن ضغوط الحياة اليومية وثقل حجم المسؤوليات وشدة وطأة الالتزامات التي لا يلبث الزوج أن ينتهي من بعضها أو يفي بجزء هام منها حتى تظهر غيرها وغيرها من جوانب أخرى ستترك بصمات عميقة في نفسه، كما ستؤثر على سلوكه الاجتماعي وقد تدفعه إلى تناول الحياة بشكل عملي وجدي أكثر وهذا جيد، ولكن ما هو سيء أن يتحول الأمر إلى جدية مبالغ فيها جدًا تتجاوز حدود علاقته بزملائه في محيط العمل لتشمل حتى الأهل والأقارب والأصدقاء، وأما إذا امتدت الى حياته الزوجية فهنا تبدأ المأساة، لأنه ينسى أن له زوجة تتحمل هي أيضًا مسؤوليات جسيمة في تربية الأبناء والحفاظ على البيت قائمًا، ولا تنتظر جزاءً ولا شكورًا سوى مجرد التفاتة عطف ولمسة حنان وشيء من التشجيع والتقدير.

إن أسوأ شيء في دنيا المرأة أن لا تجد من يسمعها أو يهتم بها وهو سبب آخر يكاد يكون قاسمًا مشتركًا بين الكثير من الزوجات اللائي يتقاسمن نفس الشكوى الحزينة الشهيرة وهي “الخرس الزوجي” أي انقطاع الحوار الزوجي وعدم التفاهم وعدم الاستعداد أو القدرة على استماع كلامها للآخر! وانشغال الزوج عن زوجته بعمله وأصدقائه وسهراته خارج المنزل.

“خرس الأزواج” ناقوس خطر لما يسببه للزوجات من آلام نفسية حادة؛ إذ لا يكفي العطاء المادي ونسيان الحب والحنان والرعاية الاهتمام، بعض الرجال للأسف يفهمون معنى “الرجولة ” بصورة خاطئة، فهم يعتبرون أن الرجولة الحقيقية في مجرد أنه الآمر والناهي، ويحجم عن قول الكلمة الحلوة على أساس أنها ستحط من شأنه وقدره وكرامته وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه معظم الرجال.
الرجولة الحقيقية هي أن يكون إنسانا متوازنا يعرف جيدًا متى يدلل ومتى يكون حازمًا، والغريب حقا أن من الأزواج من يمكن أن يضعف مع أية امرأة أخرى خارج البيت ويقول لها كلاما معسولا، لكن مع زوجته يصاب “بالخرس”، ولنا بعد ذلك أن نتخيل حال المنزل وهو يتعرض لرياح الغيرة وهواجس الخيانة وأجواء الشك المدمر الذي يغلف كل كلمة وكل إشارة، وهذا معناه انعدام الثقة وسقوط فرضية النوايا الطيبة في وحل الظن الهدام والريبة المخربة وصولا إلى زوال الاحترام الواجب بين الزوجين، والذي بدونه يصعب جدًا أن نتصور إمكانية استمرار العشرة الزوجية.

هناك أكثر من امرأة ممن تتمتع بقوة الشخصية ورجاحة العقل والتوازن النفسي من وجدت لنفسها طريق العلاج، على أساس أنه من المفروض أن يستمد الإنسان ثقته بنفسه من نفسه أولا، قبل أن يستمدها من الآخرين.

يجب أن تعرف المرأة قيمة ذاتها وتقاوم الشعور بعدم الثقة بأن تبحث لحياتها عن معنى جدید، كأن تعمل مثلا أي عمل وتنجح فيه، وبالتالي ستجد لذاتها معنى وستبصر في داخلها شخصية جديدة.

والحقيقة، يجب على كل إنسان أن يخوض في عدة خطوط متوازية في الحياة كالعمل والحب والأبناء والأصدقاء؛ كي لا تتوقف حياته في حالة ما إذا فقد أحد هذه الأشياء، بل إنه سيجد فورًا الأشياء الأخرى لتعوضه.

ما أصعب فعلا أن تصدم المرأة بشدة بعد الزواج، وتفاجأ بأن كل ما تمنته كان كله وهما ومجرد أحلام في خيالها وكان قصورًا فوق رمال متحركة، لتواجه واقعا مخالفا تماما أقسى ما فيه أن تجد نفسها زوجة وحيدة تدور في حلقة مفرغة من التوتر والقلق والضغوط التي تحيل حياتها إلى حمل ثقيل، وهذا الوضع يلغي شعورها بذاتها كامرأة، كأنثى تريد وقتا تمنحه لنفسها لتعيش حلاوة الدنيا.

ولا يجب أن نخدع أنفسنا إذا ظننا يوما والحال هكذا أن هذه المرأة المتفانية في تربية أولادها لا تحمل في أعماقها مشاعر رفض الواقع الذي تعيشه لأنها تحس بنفسها مطحونة، لذلك فهی رافضة لدورها في الحياة حتى نحو أبنائها، فهي لا تقوم بذلك بدافع الحب بل من منطلق الواجب المفروض عليها وهي غير مقتنعة بذلك الدور، وهذا ليس تهویلًا متعمدًا للإيحاء بخطورة ظاهرة من أجل هدف مرسوم قصدًا، بل هو منطق الأشياء وموضوعية التناول والنتائج الطبيعية جدًا لظاهرة الجوع العاطفي عند الزوجات، فهذه المشكلة خطيرة ومدمرة وإن كانت تبدو للبعض بسيطة.

الخطأ هنا هو خطأ الزوج الذي لا يهتم بها ولا يحاول منحها العطف والحنان أو حتى الكلمة الطيبة.

هذا هو تكوين المرأة شئنا أم أبينا، وهذه هي الفطرة فلا ميزة للرجل كونه قيما ومبادرا وفاعلا ولا نقيصة للمرأة في طبيعتها الأنثوية الرقيقة التي تجعلها بعض المجتمعات في مقام الجوهرة المكنونة، وصاحبة العفة والاحترام.

وقد أعطى الإسلام للمرأة ما لم تمنحه التشريعات الوضعية من مكانة رفيعة، ولنا في سيرة الرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام القدوة والأسوة الحسنة في معاملة أزواجه وأهل بيته، فهلا توقفنا عن الإساءة للمرأة .. الأم والأخت والزوجة والإبنة، هل من حد يضع نهاية لإيذاء المرأة؟ هل من سبيل يعيد الأمور إلى نصابها ليتحقق التوازن في مجتمعنا؟.

أي شرف هذا الذي ندعيه ونساؤنا في الصيدليات يطلبن «نرجوكم أعطونا هذا المهدئ» فيا معشر الرجال .. رفقا بالقوارير، بهذا فضفضت وعلى الله الأجر والثواب.

اقرأ أيضًا.. صبحة بغورة تكتب: صراع الأجيال.. أزمة قيم أم سوء فهم؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق