حوار الغلاف

سمو الأميرة عادلة بنت عبد الله بن عبدالعزيز: شعوري بالمسؤولية تجاه المجتمع دفعني للعمل التنموي التطوعي

ببساطتها، وسلاسة أسلوبها، وعذوبة حديثها، فتحت سمو الأميرة عادلة بنت عبد الله بن عبد العزيز– خادم الحرمين الشريفين الراحل- قلبها لمجلة “الجوهرة”، في حوار تميز بالصراحة، فتحدثت عن طفولتها، ومشاغباتها مع مُدرِّساتِها، وعلاقتها الجيدة مع الجميع، وكيف كانت زيارتها لأحد مراكز الكفيفات دافعًا لها؛ لتنظيم نشاط يعود ريعه لهن، وكيف ترى معرض “دكاكين”؟، ومن قدوتها في الحياة؟ وكيف ترى ثقافة التطوع؟ وما دورها في مساندة الأطفال المصابين بالسرطان؟؛ لتستحق الأميرة عادلة بعد كل هذا العطاء الإنساني المتواصل، أن تكون مُلهمة لنساء وشابات المملكة في العمل الخيري والإنساني.

وفي هذا اللقاء القصير معها؛ نقف على جزء يسير من مسيرتها الناصعة في العمل التطوعي والإنساني، وغيرها من قضايا المرأة والمجتمع.

– نود سمو الأميرة، الحديث عن طفولتكم المبكرة؟

كانت طفولتي عادية، كنت هادئة ومطيعة إلى حدّ ما، “خدومة ” أحاول التقريب بين وجهات النظر في الخلافات، وكنت حريصة على أن تكون علاقتي جيدة مع الجميع.

وفي المدرسة، كانت يومياتي لا تخلو من مشاغبات كنت أُعاقب عليها، ولكن احتفظت بمودة مُدرِّساتي، وكنت ومازلت أقدرهن؛ لتحملهن مشاغباتي، لكنَّ الذي كان يشفع لي؛ هو تحصيلي العلمي الجيد.

درست في مدارس الرياض، وتخرجت في جامعة الملك سعود. كنت أحب المشاركة في النشاطات اللاصفية؛ كالمسرح والمعارض والرياضة، وكانت علاقاتي مع زميلاتي جيدة وما زلت على تواصل مع العديد منهن.

العمل التطوعي

-هل هناك مواقف معينة حببَّت إليكم العمل التطوعي والمجتمعي؟

زرنا في أحد أنشطة المدرسة، مركزًا للكفيفات، فتأثرت بما تحمله الفتيات من عزيمة وتحد للتغلب على إعاقتهن، فتحمست مع زميلاتي في المدرسة؛ لمساعدة الكفيفات في تنظيم نشاط يعود ريعه لهن. ولكم أسعدتنا هذه التجربة التي كان لها مردود نفسي جيد علينا، ثم توالت النشاطات المتنوعة لفئات مختلفة.

في وقت لاحق، أصبح شعوري بالمسؤولية تجاه المجتمع؛ هو دافعي للتطوع في العمل التنموي الاجتماعي والثقافي، فقد تنامت قناعتي بأنَّ لكل فرد في المجتمع دورًا في التغيير للأفضل، يبدأ بالوعي ويتطور بتكاتف الجهود، فكل منا- مهما كان جهده قليلًا- يمكنه من خلال العمل الجماعي، تشكيل حراك اجتماعي تنموي، يسهم في تقدّم المجتمع، وتذليل العقبات التي تحدّ من التطور المبني على المصلحة العامة.

-من هو قدوتكم في العمل الخيري والإنساني؟

هناك العديد من رائدات العمل الخيري التطوّعي في المملكة، كلهن كن قدوة لي ولغيري؛ لاتخاذ هذا التوجّه. كانت تجربتي الأولى؛ بالانضمام إلى مؤسسي المؤسسة الخيرية الوطنية للرعاية الصحية المنزلية عام ١٩٩٧ م، ثم تدرجت من العمل الصحي الاجتماعي إلى العمل الثقافي، وبعدها في مجال تمكين المرأة. وفي كل المحطات، كانت قدوتي من وفقها الله لخدمة المجتمع بإخلاص.

التحفيز على العطاء

-كيف نحفز رجال وسيدات الأعمال على العطاء، ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى؟

لقد ازداد الوعي بأهمية المساهمة في تنمية المجتمع؛ من خلال دعم القطاع غير الربحي، كما أن ثقافة التطوع في مجتمعنا في نمو.

من جانب آخر، أصبحت مؤسسات المجتمع المدني أكثر تطوراً مهنيًا؛ إذ تحرص على تصميم برامجها بشكل يجذب الداعمين، مركزةً على مؤشرات محددة تضمن نتيجة واضحة للبرامج، مع الاستعانة بمتخصصين في التسويق؛ للاستفادة من خبرتهم في جذب الداعمين المناسبين لبرامجهم.

وهناك رجال وسيدات أعمال لديهم التزام شخصي بالمسؤولية المجتمعية، لكن أتمنى أن تخصص الشركات نسبة أكبر من أرباحها؛ لدعم الجهود التطوعية لخدمة المجتمع.

نجاح سيدات الأعمال

– هل نجحت المرأة كسيدة أعمال في منافسة الرجل؟

من خلال عملي السابق في مركز السيدة خديجة بنت خويلد في الغرفة التجارية بجدة واهتمامي بتمكين المرأة اقتصاديًا، فإن سيدات الأعمال السعوديات استطعن منافسة رجال الأعمال في بعض المجالات، لا سيَّما وأنَّ وزارة التجارة والاستثمار أعلنت في عام 2017 – عبر وكالة الأنباء السعودية- عن اتخاذها عدة إجراءات وبرامج؛ لتمكين دور المرأة في المجتمع، ومشاركتها في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية؛ بهدف زيادة وجودها في الأنشطة الاقتصادية والإنمائية، بما يعزز التنمية المستدامة.

وقد بلغ إجمالي السجلات التجارية المقيدة بأسماء سيدات الأعمال 87.575 ألف سجل تجاري، لكنَّ النجاح جاء نتيجة تراكم الخبرات. ومن غير المنصف مقارنة سيدة الأعمال برجل الأعمال؛ لأن لمعظم الرجال باعًا أطول في سوق العمل.

جمعية “سند الخيرية”

-ما الدعم الأكبر الذي تقدمه جمعية “سند الخيرية” التي ترأسين مجلس إدارتها لمرضى السرطان من الأطفال؟

تقدم جمعية سند الخيرية الدعم الاجتماعي والصحي والنفسي للأطفال المصابين بالسرطان وأسرهم ذوي الدخل المتدني، بالإضافة إلى الدور التوعوي المهم بتسليط الضوء على هذه الفئة الغالية على قلوبنا؛ لتشجيع المجتمع على مساندتهم خلال فترة العلاج.

إنَّ مساندة مرضى السرطان من الأطفال وذويهم، والتعريف بالنتائج الجيدة لعلاجهم، وحقيقة ارتفاع نسبة الشفاء في بعض أنواع الأورام السرطانية التي تصيبهم بأكثر من 80 %، تجعلنا نتفاءل في عملنا، بحيث نسهم في تحسين المرحلة اللاحقة للعلاج بشكل يستطيع الطفل فيه تجاوز معظم الآثار العضوية والنفسية للمرض؛ وهو ما تسعى الجمعية إلى تحقيقه.

تطوير الذات

-مالذي ينقص رائدات الأعمال لإنجاح مشاريعهن الناشئة؟

أعتقد بأن رائدات الأعمال الشابات قد توفرت لهن أسباب النجاح من دعم للمشاريع الناشئة، كما أنّ عصر المعلوماتية وفر لهن المعلومات والبيانات بشكل أسرع وأسهل، فالتحدي يكمن في المثابرة، وتطوير الذات، والاستجابة العاجلة للمتغيرات الاقتصادية.

الأمان الأسري

-برنامج الأمان الأسري الوطني، من أهم البرامج الصحية التوعوية لمكافحة العنف ضد المرأة والطفل، فما أحدث إنجازاته؟

يسعى “برنامج الأمان الأسري الوطني” لأن يحوز مركزَ التميّزِ في معالجة شؤون العنف الأسرِي؛ بتقديم برامجِ الوقاية، وتصميم برامج تدريبية للمتعاملين مع العنف الأُسَري، مع نشر الوعي، وبناء شراكاتٍ مهنيةٍ مع المتخصصين والمؤسسات الحكومية والأهلية والمنظمات الدولية؛ لتوفير بيئة أسرية آمنة في المملكة.

وقد شارك برنامج الأمان الأسري الوطني مؤخرًا في الاجتماع الرابع للمراكز المتعاونة مع منظمة الصحة العالمية بإقليم شرق المتوسط بمدينة مسقط، بسلطنة عمان يومي 9و10 يناير الماضي؛ بهدف مراجعة السياسات المرتبطة بتنظيم المراكز المتعاونة، ومناسبة عمل هذه المراكز مع برنامج عمل منظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى مناقشة نتائج المسح الذي أجرته المراكز المتعاونة مع المنظمة، والاتفاق على إجراءات التعامل مع التحديات.

ويعمل برنامج الأمان الأسري الوطني مع منظمة الصحة العالمية في معالجة إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم؛ من خلال الأبحاث والتدريب، وتنمية القدرات، والتعاون على مستوى إقليمي ودولي.

أنجح المشاريع

– معرض “دكاكين” نافذة لانطلاق لدخول رائدات وسيدات أعمال عالم الأعمال، فكيف ترين دوره؟

معرض دكاكين بدأت فكرته عام 2015؛ كمعرض خيري تنظمه “جمعية سند”؛ بهدف تنمية مواردها؛ لتمكينها من تحقيق أهدافها. وهو اليوم من أنجح المشاريع، بدليل استمراره سبع سنوات، وزيادة الإقبال عليه؛ إذ ضمّ المعرض هذا العام 50 مشاركًا محليًا وخليجيًا، وحوالي 336 عارضًا، و27 شريكًا، و400 متطوع، و29 ألف زائر.

ويمثل المعرض فرصة لتمكين المرأة اقتصاديًا؛ إذ يتيح لها عرض منتجاتها، وتبادل الخبرات، والتعاون مع غيرها من سيدات الأعمال في تطوير منتجاتها.

خدمة المجتمع

-ماذا استفدتِ من عملك في مجال خدمة المجتمع؟

العمل لخدمة المجتمع يمنح الإنسان فرصة لممارسة إنسانيته، واستثمار وقته فيما يعود عليه بالشعور الإيجابي لدوره في مساعدة الاخرين. ولقد تعلّمتُ من عملي مهارات عديدة في الإدارة، والتعاون الفعال، وتبادل التجارب، وحلّ الإشكاليات، وتخطّي التحديات، كما ساهم عملي في توسيع قاعدة معارفي، والاستفادة من خبراتهم.

-ما أهم جائزة حصلتِ عليها؟

خلال رحلة عملي التي امتدت لأكثر من عقدين، حصلت على عدة جوائز، لكنَّ الجائزة الأهم بالنسبة لي هي رضا المستفيدين من الخدمات ومردودها الإيجابي عليهم، وما أعتز به هو العلاقة الجميلة التي بنيتها مع زميلات وزملاء العمل.

والدي رجل استثنائي

-ماذا تقولين عن والدك الراحل الملك عبد الله وأنت مؤسسة لمشروع تدوين سيرته؟

أدعو الله أن يجزيه خير الجزاء على مواقفه النبيلة والجريئة في الحق، وأعماله العظيمة الشاهدة له في خدمة دينه ووطنه وأبنائه المواطنين، وإنسانيته التي امتدت لتشمل المستضعفين في العالم بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق.

كان رجلًا استثنائيًا، جمع خصال الشهامة والعطف والحكمة والصرامة والالتزام، فهذا هو العام الرابع على رحيله، لكن أشعر بأنَّ الزمن يزحف ببطء، وكأنه يعز عليه الابتعاد عن لحظة فقد الغالي، هذا الفقد الكبير سيظل يشغل مساحة في قلوب من أحبوه.

يقول المثل: “كل فتاة بأبيها معجبة”، فما بالك وهذا الأب هو عبد الله بن عبدالعزيز! غفر الله له، وأسكنه الفردوس الأعلى.

بواسطة
جمال إدريس عبد الله القطان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق