ثقافة

ساعة بغداد تدق.. وشهد الراوي تحرس الذاكرة بالكتابة

حكاية عن الهجرة والغربة والفراق على لسان طفلة، نضجت وكبر معها ألمها وغربتها.. قد يكون هذا تلخيص غير مُخلٍ لرواية شهد الراوي “ساعة بغداد”، التي وصلت مؤخرًا إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية.

تدور الرواية حول طفلة تحكي قصة طفولتها، ومحلتها التي ولدت فيها، تحكي قصتها مع أقرانها من الفتيان والفتيات، ثم تكبر قليلًا وتدخل طور المراهقة فتنزلق بنا إلى حب وغرام ولوعة وفراق، وأخيرًا تصل إلى مرحلة النضج، وتدرك ما آل إليه حال المحلة مسقط رأسها، والتي لم يعد فيها من أهلها أحد، بسبب الهجرة والفراق.

إنها قصة تحكي عما فات وكيف فات؟ ففي لحظة معينة تدق “ساعة بغداد” ويكون على الجميع الهجرة، ويحل ليل الغربة.

و“ساعة بغداد” هذه تعبير عن الزمن، في زواله وانمحائه، إنها تعبير عن الماضي والمستقبل معًا.

وعلى كل حال، فإن الثيمة الفلسفية للزمن أنه زائل، أنه ليس ملكًا لنا، فحتى ساعة “عمو شوكت” التي كان يرسمها بأسنانه على أيادي الأطفال محكوم عليها بالزوال هي الأخرى.

نجحت “شهد الراوي” في أن تتخير رموز روايتها جيدًا، حيث أن هذا العمل مفعم بالرمز والإشارة، فمحاور قصتها بعد الراوية نفسها، عمو “شوكت” ودور هذا الرجل المسن الذي كان يعمل موظفًا ثم تقاعد محوري جدًا، إنه “حارس مقبرة الغياب”، إنه ينوب مناب الذاكرة التي تأبى النسيان؛ نسيان التاريخ والجغرافيا.

و”برياد” كلب هذا الرجل، يمثل دور الوفاء؛ الوفاء للمكان، ولساكنيه، أما “العراف” فهو النذير العريان، الذي أخذ على عاتقه إخبار سكان المحلة أن الهجرة والتحول قدرهم ومصيرهم، فكرهوه، أو بالأحرى كرهوا قدرهم فيه.

في هذه الرواية تاريخ يناضل، وجغرافيا تتآكل، وذاكرة تصارع النسيان.

هنا، ومع هذه الرواية لا نستطيع أن نحدد هل الكتابة حراسة للذاكرة أم نكئًا للألم؟ لا ندري تحديدًا، لكن يبدو أن الإثنين اجتمعا هنا.

“الكتابة بهذا المعنى تعمل عمل حارس الذاكرة” ربما هذا هو الهدف: مقاومة النسيان بالكتابة، لكن عملية كهذه تنطوي على ألم تذكر الغياب.

استحالت حياة الناس في المحلة، التي تجري القصة فيها وعنها، علقمًا، فها هو عمو “شوكت” يحدث زوجته التي هجرته قائلًا: “يا زوجتي العزيزة، ليست حياتي هي المملة، الدنيا كلها صارت مملة، الجيران الذين تحبينهم، هاهم يغادرون بيوتهم بيتًا بعد بيت، الوجوه التي عشنا معها تغادرنا يا نادرة، تعالي وانظري إلى محلتنا، إلى الأبواب الصدئة والحدائق المهملة التب يعلوها غبار الأيام.. الحياة يا زوجتي ليست هي كما تركتيها، كل شيء هنا يتبدل سريعًا”.

كره الناس مكانًا يذكرهم بماضيهم الذي لن يستطيعوا العودة إليه، صار كل هدفهم دفن الذكريات بداخلهم وإهالة التراب عليها، أمسى كل أملهم ومبتغاهم الفرار من أرض الأحزان، يريدون فقط عبور الحدود، “حتى صارت الهجرة امتيازًا اجتماعيًا”.

لكن كيف يعيش الإنسان منقطعًا عن جذوره وذكرياتها، وهنا تظهر لنا ثيمة أخرى من الثيمات الأساسية في هذه الرواية، ألا وهي “غربة الروح” تقول شهد الراوي: “هل تعرفون جيدًا معنى أن يكون الإنسان غريبًا إلى الأبد؟ أن يتنازل عن اللهجة التي تأسس بداخلها تاريخه الروحي؟ هو أن يمضي بقية حياته ضد قوانين هذه الروح، لذلك كانت الغربة، وفي كل الأزمان، هي غربة الروح”.

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

بواسطة
محمد علواني
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى