رمي الجمرات.. شعيرة الحج الرمزية وأبعادها الفقهية

رمي الجمرات: شعيرة الحج الرمزية وأبعادها الفقهية والروحية وأفضل الأوقات
رمي الجمرات: شعيرة الحج الرمزية وأبعادها الفقهية والروحية وأفضل الأوقات

يعد رمي الجمرات من أهم شعائر الحج وواجباته الأساسية التي لا يكتمل نسك الحاج إلا بأدائها. هذه الشعيرة، التي تتضمن إلقاء الحصيات في مواضع محددة بمِنى، تحمل دلالات عميقة وتجسد رمزية مقاومة الشيطان والشرور. يستعرض هذا المقال تفاصيل رمي الجمرات، من قصتها التاريخية وأدلتها الشرعية إلى عدد الجمرات وأوقات رميها، مع الأخذ في الاعتبار تيسيرات الفقه الإسلامي.

متى يبدأ رمي الجمرات؟

اليوم العاشر من ذي الحجة هو يوم عيد الأضحى أو يوم النحر، بعد صلاة الفجر يخرج الحاج من مزدلفة متوجهًا إلى مشعر منى وذلك لرمي جمرة العقبة الكبرى، وقت الرمي المحدد هو من فجر يوم عيد الأضحى إلى فجر اليوم التالي، ولكن السنة أن يكون الرمي ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، ويجوز الرمي بعد الغروب إلى الفجر لكن لعذر، عند وصول الحاج

في الواقع العملي، يبدأ الحجاج الرمي بعد صلاة الفجر ويستمرون طوال النهار. ولو نظرنا إلى الأمر من الناحية الحسابية واللوجستية، فإن استيعاب ملايين الحجاج في مساحة مكانية محدودة وزمن ضيق أمر مستحيل. لذا، فإن توسيع النطاق الزمني للرمي بقدر الإمكان يصبح ضرورة ملحة لاستيعاب هذا العدد الهائل من البشر وتيسير أداء النسك عليهم.

رمي الجمرات: شعيرة الحج الرمزية وأبعادها الفقهية والروحية وأفضل الأوقات
رمي الجمرات: شعيرة الحج الرمزية وأبعادها الفقهية والروحية وأفضل الأوقات

أصل شعيرة رمي الجمرات: قصة إبراهيم عليه السلام

تعود قصة رمي الجمرات إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام، كما ورد في كتب السنة النبوية. عندما أمر سيدنا إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام تحقيقًا لرؤياه، حاول الشيطان أن يثنيه عن طاعة ربه. فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أن رماه بسبع حصيات في الأماكن التي ترمى بها الجمرات اليوم. يروي الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم عليه السلام عندما أُمر بالمناسك، عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم فعل ذلك عند الجمرة الوسطى. ويؤكد ابن عباس رضي الله عنهما: “الشيطان ترجمون وملة أبيكم إبراهيم تتبعون”.

اختلاف الفقهاء في تحديد وقت الرمي

 قد تباينت آراء الفقهاء حول التوقيت الأمثل لبداية رمي جمرة العقبة في يوم النحر (العاشر من ذي الحجة)، مما أدى إلى ظهور رأيين رئيسيين:

  • القول الأول: طلوع الفجر: يرى المذهبان الحنفي والمالكي أن وقت الرمي يبدأ من طلوع فجر يوم النحر. ويدعو هذا الرأي الحجاج إلى الانتظار حتى الفجر للبدء في رمي الجمرات، مما يتيح لهم فرصة للراحة والتهيؤ لمناسك اليوم التالي.

  • القول الثاني: منتصف الليل: يذهب الشافعية والحنابلة إلى أن وقت الرمي يبدأ من منتصف ليلة يوم النحر. يتيح هذا الرأي للحجاج البدء في الرمي فور حلول منتصف الليل، وهو ما يساهم في تخفيف الازدحام ويتيح للحجاج الأضعف والنساء فرصة الرمي في وقت أقل ازدحامًا وأكثر يسرًا.

رمي الجمرات: شعيرة الحج الرمزية وأبعادها الفقهية والروحية وأفضل الأوقات
رمي الجمرات: شعيرة الحج الرمزية وأبعادها الفقهية والروحية وأفضل الأوقات

صحيح الاحاديث الشريفة لتوقيت رمي الجمرات

تتبنى لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف القول الذي يرى أن الرمي يبدأ من منتصف ليلة العاشر من ذي الحجة. تستند اللجنة في هذا الاختيار إلى عدد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تدعم هذا التوقيت، منها:

  1. حديث أم سلمة رضي الله عنها: فقد روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة برمي جمرة العقبة قبل الفجر ثم الإفاضة (أي الإفاضة إلى البيت للطواف).
  2. رواية القاسم بن محمد: حيث ذكر أن عائشة رضي الله عنها تمنت لو استأذنت الرسول صلى الله عليه وسلم، كما فعلت سودة، لترمي الجمرات ليلًا وتتجنب الازدحام، إذا كانت ثقيلة وبطيئة الحركة.

التيسير في رمي الجمرات لمواجهة الازدحام

مع تزايد أعداد الحجاج، أصبح التيسير في أداء المناسك ضرورة ملحة. وقد أفتى عدد من أئمة التابعين المشاهير، مثل عطاء بن رباح وطاوس وأبو جعفر الباقر، بجواز رمي الجمرات طوال اليوم. كما أيد هذا الرأي فقهاء من المذاهب المختلفة كالإمام الرافعي في مذهب الشافعية. وقد ألف الشيخ عبد الله بن زيد المحمود رسالته “يسر الإسلام” منذ عقود. مقدمًا أدلة عقلية ونقلية تدعم جواز هذا التيسير.

ورغم أن هذا القول لا يصل إلى حد الإجماع. إلا أن وجود فتاوى معتبرة من علماء أجلاء كابن المحمود والشيخ مصطفى الزرقا يتيح للمسلم الأخذ بها دون حرج. فمن الناحية الواقعية. لا يمكن لملايين الحجاج أداء الرمي في فترة زمنية محدودة. مما يجعل توسيع النطاق الزمني للرمي ضروريًا لاستيعاب هذا العدد الهائل من البشر وتيسير إتمام هذه الشعيرة المباركة.

الرابط المختصر :