في عالم مثالي، يفترض أن يكون الطعام مجرد وقود حيوي نستجيب له عندما يرسل الجسم إشارات الجوع الجسدي. لكن الواقع يكشف عن علاقة معقدة وشائكة بين ما نضعه في أطباقنا وبين ما نشعر به في أعماقنا. فكم من علبة رقائق بطاطس فتحت بدافع القلق، وكم من قطعة شوكولاتة التهمت تخديرًا لحزن أو ملل؟ هذا ما يسمى بـ “الأكل العاطفي”.
ما هو الأكل العاطفي؟ ولماذا نقع فيه؟
بحسب “clevelandclinic” تعرف الدكتورة سوزان ألبرز، عالمة النفس، الأكل العاطفي بأنه “استخدام الطعام للهروب من المشاعر أو تخديرها أو تغيير حدتها”. وتشير الدراسات إلى حقيقة مذهلة: 75% من تناولنا للطعام مدفوع بالعواطف لا بالجوع الحقيقي.
كما يمكن بيولوجيًا، التفسير في هرمون الكورتيزول. فعندما نشعر بالتوتر، يفرز الجسم هذا الهرمون الذي يدفعنا غريزيًا للبحث عن أطعمة غنية بالسكريات أو الدهون. هي “برمجة قديمة” في أجسادنا كانت تساعد أسلافنا على تخزين الطاقة لمواجهة الأخطار، لكنها اليوم تحولت إلى فخ يوقعنا في السمنة والاضطرابات الغذائية.

محفزات الشهية العاطفية
لا ينشأ الأكل العاطفي من فراغ، بل تغذيه عدة عوامل:
- برمجة الطفولة: فكرة “إنهاء الطبق كاملًا” أو استخدام الطعام كمكافأة، تعطل قدرة الطفل على سماع إشارات الشبع الداخلية.
- حميات التقييد: الحرمان الشديد من أطعمة معينة يجعل العقل يطالب بها بشراسة عند أول نوبة توتر.
- الفراغ والملل: كما حدث في جائحة كوفيد-19، يصبح الأكل وسيلة لتمضية الوقت ومنحه “معنىً” زائفًا.
- الضغوط الموسمية: مثل اكتئاب الشتاء أو توتر المناسبات الاجتماعية والاحتفالات التي تفرط في تقديم المغريات.
كيف تفرق بين الجوع الحقيقي والجوع العاطفي؟
يمكنك كشف الأكل العاطفي عبر أربع علامات تحذيرية:
- السرعة واللحظية: الجوع الجسدي يتطور ببطء، أما العاطفي فيهجم فجأة كحالة طوارئ: “أحتاج شوكولاتة الآن!”.
- الانتقائية الشديدة: الجائع حقيقيًا يرضى بخيارات متنوعة، أما العاطفي فيبحث عن صنف محدد جدًا (مالح، سكري، أو دهني).
- غياب نقطة الشبع: في الأكل العاطفي، قد لا تتوقف إلا عندما تشعر بالغثيان أو “التخمة المؤلمة”، لأن الهدف ليس شبع المعدة بل شبع الروح.
- عقاب الذنب: غالبًا ما يتبع الوجبة العاطفية شعور بالخزي أو الندم، وهو شعور لا يحدث مع الوجبات الطبيعية.
متى يدق ناقوس الخطر؟
لا بأس بقطعة شوكولاتة من حين لآخر لتحسين المزاج، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يصبح الطعام هو آلية التأقلم الوحيدة لديك. إذا كان الطعام هو “صديقك الأول” عند كل ضائقة، فهنا يتحول الأمر إلى اضطراب يحتاج لتدخل.

إستراتيجيات الاستعادة السيطرة
لكي تكسر هذه الحلقة المفرغة، جرب هذه الخطوات العملية:
- قاعدة الخمس ثوانٍ: قبل أول لقمة، اسأل نفسك بصدق: “هل أنا جائع جسديًا أم أشعر بالملل/القلق؟”. الوعي هو أول خطوة للشفاء.
- المشتتات الحسية: شم رائحة الحمضيات (مثل اليوسفي) يمكن أن يقلل التوتر، كما أن فيتامين “سي” و”د” يعملان كمحسنات طبيعية للمزاج.
- منع “النهام الجوعي” (Hangry): لا تدع نفسك تصل لمرحلة الجوع الشديد، حافظ على وجبات غنية بالبروتين لضمان استقرار سكر الدم ومستوى المزاج.


















