ثقافة

دكتورة رانيا يحيى تكتب: بعد كورونا.. موسيقى عمر خيرت شفاء للجسد العليل

بعد الأزمة العالمية التي اجتاحت الإنسانية جمعاء بانتشار الوباء اللعين «كوفيد 19» وتوقف الحفلات والأنشطة والمهرجانات وغيرها استشعرنا الحاجة الحقيقية لدينا لاستعادة هذه الروح الفنية والحالة الوجدانية والاستمتاع بالحفلات الموسيقية الممتعة.

ومن الحفلات التي افتقدناها موسيقى المبدع عمر خيرت؛ الذي تربع على عرش قلوب محبيه واستحوذ على إعجابهم، ليس فقط بموسيقاه الجميلة الإيقاعية الرشيقة ذات الجمل اللحنية الهادئة التي يسهل تمييزها والمقربة لنا كمجتمعات شرقية، ولكن أيضًا شخصيته الهادئة وطباعه الخلوقة وتواضعه الجم مع الجميع والذي يأسر المتلقين من كل مكان، متهافتين على رؤيته والاستمتاع بفنان يندر مثله في هذا الزمان.

رانيا يحيى
د. رانيا يحيى

وأعتقد أن هذا البعد الإنساني له أثر كبير في إنتاجه؛ فهذه الشخصية الهادئة تميل للعزلة إلى حد الانطوائية، ما جعل مؤلفاته وأعماله تعبر دراميًا وتفاعليًا عما تواريه هذه الشحنة الإبداعية المتمثلة في صورة هذا الفنان الذي ظهرت موهبته في سن مبكرة عندما اكتشفه عمه الموسيقي الرائد أبو بكر خيرت؛ وشجعه فأثقل الموهبة بالدراسة في الكونسرفتوار؛ حيث تعلم عزف البيانو ودرس العلوم الموسيقية والنظرية المختلفة، واستكمل دراسة التأليف بلندن.

موسيقى عمر خيرت

وخطا عمر خيرت أولى خطوات الحياة العملية كعازف للدرامز ثم مؤلف موسيقي أزاح العوائق في وثبة نجاحاته المتتالية، وحقق شعبية وجماهيرية غير مسبوقة، وساعد بفنه في الارتقاء بالذوق العام، والنجاح الساحق لحفلاته في أي مكان هو أكبر دليل على فنه ونجوميته كمؤلف وعازف لعبت موسيقاه دور المحلل السيكولوجي الذي يذيب كل الطاقات المشوشة والمهدرة لتتحول إلى طاقة إيجابية في نفوس جماهير لها قدرة على الإنتاج والإبداع بكل صوره.

وتأثر «خيرت» بروافد موسيقية متعددة؛ منها الموسيقى الشعبية والشرقية نتيجة للبيئة التي عاش فيها في وسط القاهرة بالقرب من حي السيدة زينب كواحد من الأحياء الشعبية، وكذلك الثقافة الواسعة والأنواع المختلفة من الفنون التي تلقاها من الصالون الثقافي الذي أنشأه جده محمود خيرت؛ المحامي والشاعر والأديب والموسيقي.

وكان هذا الصالون ملتقى الأدباء والكتاب والمفكرين وأهل الفن، مثل محمود درويش وطه حسين ومصطفى رضا ومحمد حسن وغيرهم كثيرين؛ ما أكسب عمر خيرت الطفل ثقافات في كل المجالات الفنية والأدبية، بالإضافة إلى تأثره بالموسيقى الغربية في سنوات التعليم، وأيضًا موسيقى الجاز في بداية مرحلة الشباب، وهو ما جعل منه نبعًا للألحان الموسيقية الرشيقة والجمل التي يسهل ترديدها.

السهل الممتنع

موسيقى عمر خيرت هي السهل الممتنع؛ حيث تبدو سهلة في سماعها لكن تتسم بعض أعماله بالصعوبة والتعقيد فيما بين العناصر الموسيقية المكونة للعمل ذاته، مثل «الهارموني والكنترابينط» وتشابك الألحان والإيقاعات في جديلة واحدة متناسقة كلوحة فنية رائعة يبدع في تصويرها وإبراز جمالياتها بالتركيز على بعض الآلات الموسيقية التي تتبادل الأداء المنفرد وكأنها الألوان الزاهية التي تجتذب أنظار مشاهديها في رقة وهدوء، رغم ما تبعثه من حالة وجدانية براقة ومتفائلة بسماع تلك الألحان التي تمزج بين الشرقية والغربية ولا تستطيع أن تحدد سوى أنها من إبداع عمر خيرت؛ لقدرته على وضع بصمة شخصية لأعماله تجعلك تحدد من الوهلة الأولى أنك تقف بكل إعجاب أمام لوحة فنية سمعية بفرشاة نغمية ترسم كل معاني الحب والجمال.

نجح عمر خيرت في توظيف نغمات السلم الموسيقي بما يتوافق مع الشعوب العربية، مناجيًا أحاسيس ومشاعر تتدفق فيها الجمل الموسيقية بانسيابية الهارمونيات والإيقاعات والمقامات التي تصنع جملًا لحنية غاية في الرقة والجمال كأنها شخص يخاطب مكنونك بكل ما فيه من أفراح وأحزان وتناقضات وانفعالات، لكن أيضًا بما لديه من ملكات إبداعية كأنها طاقة تنفجر بقوة فتمنحك شحنات نفسية هائلة.

سحر الشرق

ولموسيقاه بصمة مميزة بها مزج بين سحر الشرق من ناحية وقواعد وأساليب التأليف الغربي من ناحية أخرى، وكل هذه العوامل مجتمعة جعلته كمؤلف لديه شكل مميز يسهل من خلاله التعرف على أعماله بمنتهى اليسر. ومنذ اللحظة الأولى تستطيع أن تحدد هذا الانفراد في شخصية موسيقاه، خاصة تعامله مع آلات الأوركسترا، مثل آلات النفخ النحاسية “الترومبيت والترومبون والكورنو” مع الاهتمام بـ “الترومبيت” بشكل خاص؛ حيث يضع لها ألحانًا مميزة في أغلب أعماله، كذلك توظيف آلات الإيقاع الغربية والشرقية معًا في جديلة متناسقة تمامًا، مع المزج بين روح موسيقانا الشرقية والموسيقى الغربية بالتعامل مع بعض المقامات الشرقية وتوظيفها داخل مؤلفاته ذات الطابع الكلاسيكي؛ ما يضفي لونًا مبهجًا ومستحدثًا على موسيقانا.

وذلك مع وجود الهارمونيات بكثرة واستخدام التلوين الصوتي من الآلات المختلفة؛ الأمر الذي يبرز طبيعة صوت كل آلة في منطقة محببة لديه تمتع الجماهير، كذلك آلات النفخ الخشبية التي يلقي عليها “خيرت” دور البطولة في كثير من المؤلفات فتزيد من جمال وبريق الألحان، أما عن آلة الهارب بصوتها الرقراق الرنان فهو يلقي على عاتقه بعض الألحان المنفردة التي تميز مؤلفاته.

مشاعر وأحاسيس

وبالنسبة لكتابته المتميزة للوتريات فغالبًا ما يبني جملًا لحنية معبرة عن مشاعر إنسانية معينة، مثل الفرح والحزن والبهجة والقلق والتوتر وغيرها من الأحاسيس التي يستطيع تجسيدها من خلال موسيقاه، ولا يمكن أن نغفل دور آلتي القانون والعود كآلات شرقية ذات طبيعة صوتية لها رنين تنسجم له العواطف وسط الجمع الهائل من باقي آلات الأوركسترا، وتضفي الروح الشرقية بعبقرية توزيعه الأوركسترالي، أما آلة البيانو بما فيها من قدرة على أداء الألحان البوليفونية المتعددة فتسيطر على شكل موسيقاه السلسة والموتيفات القصيرة التي يسهل تكرارها للمتذوق العادي بأدائه التلقائي المبهر، والتي تضفي جوًا جماليًا ومميزًا لموسيقاه.

والحقيقة أننا أمام فنان استطاع أن يرتقي بالذوق العام وسط ما نعانيه من تراجع وتدنٍ، ونحن في انتظار حفلاته باعتبارها عودة الروح للجسد العليل بعد فترة الغياب؛ ليضيء سماء الفن في كل مكان.

                                                                                                                               د. رانيا يحيى
                                                                                                                  عضو المجلس القومي للمرأة

اقرأ أيضًا: د. رانيا يحيى تكتب: باليه سندريلا.. قصة حب على أنغام الموسيقى 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق