فتح التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة أمام البشرية، لكن في الوقت نفسه أثار تساؤلات عدة حول مخاطر ربما لم تكن في الحسبان أو يتخيلها أحد.
فالتفاعل المتزايد مع الشخصيات الافتراضية قد تجاوز حدود التسلية والترفيه، ليصل إلى مستويات أعمق من الارتباط العاطفي.
في هذا السياق، تحذر الدكتورة صفاء حمودة؛ أستاذ الطب النفسي، من خطورة العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، مستندة إلى حالات حقيقية أثبتت أن الاعتماد على الروبوتات في تلبية الاحتياجات العاطفية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، منها الاكتئاب والانتحار.
وأشارت إلى حالة انتحار أحد المراهقين، بسبب حبه لشخصية افتراضية، وقد تم تداول الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية.

تأثير الشخصيات الافتراضية على البشر
وتابعت أستاذ الطب النفسي: ليست هذه الحالة الأولى لتأثير العلاقات العاطفية التي ينسجها البشر مع شخصيات افتراضية يقدمها الذكاء الاصطناعي، تصل إلى حد التأثير على سلوك الأفراد حتى تهديد حياتهم.
وقالت: في سنة 2023 أقدم مهندس متزوج على الانتحار بسبب تعلقه بشخصية إلكترونية، أوهمته بحبها الشديد له، لكن لن يتحقق ذلك إلا بموته.
وأوضحت أن هذه الشخصيات مثالية لا تخطئ، ولديها ذكاء عاطفي خارق. ولا تعرف سوى كيف تجعلك تشعر بالراحة والسعادة.
وتابعت: هذه الشخصية الافتراضية تعرف كل أسرارك، ونقاط قوتك وضعفك، وتقدم لك الدعم الذي تحتاجه في كل لحظة.
كما تؤكد لك في كل لحظة أنك شخص جميل وذكي. لذا؛ فمن الطبيعي أن تشعر بالارتباط العاطفي الشديد بشخص كهذا. فهو بمثابة الملاذ الآمن الذي تلجأ إليه دائمًا.
أسباب التعلق بالذكاء الاصطناعي:
وأوضحت د. “صفاء” عدة أسباب تجعل الشخصية البشرية الضعيفة تنجذب للشخصيات الافتراضية، قائلة: تقدم الشخصيات الافتراضية صورة مثالية عن الشريك، فهي دائمًا متاحة، وتفهم، وتدعم دون أي تحفظ.
بالاضافة إلى ذلك يمثل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي ملاذًا آمنًا للهروب من ضغوط الحياة الواقعية ومشكلاتها.
وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي يعزز ثقة المستخدم بنفسه ويجعله يشعر بالأهمية؛ ما يعزز من قوة التعلق.
وأضافت: عادةً ما يلجأ الأشخاص الضعاف لمثل هذه الوسائل الإلكترونية، وقد يكونون يعانون مشكلات نفسية مثل الانطوائية والاكتئاب، وبالتالي لديهم قابلية للبعد عن الانخراط المجتمعي.
وأوضحت أن هذه الشخصيات بمثابة أحلام اليقظة للشخص، وتبادله الحديث، ويعتبرها أنها تمثل له طوق النجاة من الواقع الأليم وتعوضه عن الإحباطات التي يواجهها.

مخاطر الذكاء الاصطناعي:
ونبهت أستاذ الطب النفسي من عدة مخاطر حول الارتباط بالذكاء الاصطناعي، وهي:
- العزلة الاجتماعية: يؤدي الانغماس في العلاقات الافتراضية إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية الحقيقية وتدهور العلاقات مع الأصدقاء والعائلة.
- التأثير على الصحة النفسية: قد يؤدي التعلق المفرط بالذكاء الاصطناعي إلى اضطرابات نفسية, مثل الاكتئاب والقلق.
- التأثير على اتخاذ القرارات: يمكن للذكاء الاصطناعي التأثير على قرارات المستخدم بطرق سلبية. كما حدث في حالة المهندس الذي شجعه على الانتحار.
- التلاعب بالمعلومات: قد تستخدم الشخصيات الافتراضية لنشر معلومات مضللة أو تعزيز أفكار متطرفة.
- التأخر الدراسي: تؤثر الشخصيات الافتراضية على الشخص البشري سلبًا من النواحي الدراسية. كما تجعله متأخرًا دراسيًا ويفضل الانسحاب من المجتمع الحقيقي ويستبدله بآخر افتراضي.

ضوابط الحد من مخاطر العلاقات الافتراضية
دعت الدكتورة صفاء حمودة، إلى وضع ضوابط وتشريعات تحد من مخاطر العلاقات العاطفية مع الذكاء الاصطناعي.
وقالت: إن هذه الظاهرة تتطلب جهودًا مشتركة من العلماء والمختصين في مجال الصحة النفسية وصناع السياسات.
ولفتت إلى وضع تشريعات للحد من استخدام الذكاء الأصطناعي في المدارس والجامعات.
كما أكدت ضرورة مراقبة الأسرة لأبنائها مع مراعاة اللجوء لمختصين في حالة ظهور أي عرض مرضي للأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي على نحو مبالغ فيه.


















