لم يعد الحديث عن التغير المناخي والاحتباس الحراري، مجرد تنبؤات علمية حبيسة المختبرات، بل أصبح واقعًا ملموسًا يطرق أبوابنا مع كل موجة حر غير مسبوقة، أو فيضان مدمر، أو جفاف يفتك بالمحاصيل.
في حديث خاص لمجلة «الجوهرة» سلط د. إسلام عنان؛ أستاذ اقتصادات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، الضوء على الأبعاد الكارثية لهذه الظاهرة التي لم تعد تهدد البيئة فحسب، بل باتت تستهدف صميم الصحة العامة والاقتصاد العالمي.
ظاهرة الاحتباس الحراري.. المفهوم والمسببات
قال د. إسلام عنان، إنه لفهم الأزمة، يجب العودة إلى جذورها العلمية المتمثلة في الاحتباس الحراري (Global Warming). وهي ظاهرة ناتجة عن زيادة انبعاثات “غازات الدفيئة” في الغلاف الجوي؛ ما يؤدي إلى حبس الحرارة ومنعها من التسرب إلى الفضاء، وهو ما يرفع درجة حرارة الأرض تدريجيًا.
أبرز المسببات:
وأرجع د.عنان مسببات هذه الظاهرة إلى عدة عوامل وهى:
- حرق الوقود الأحفوري: الاعتماد الكلي على الفحم والنفط والغاز يطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون.
- إزالة الغابات: قطع الأشجار يقلل من قدرة الكوكب الطبيعية على امتصاص الكربون وتخزينه.
- النشاط الصناعي: إنتاج الأسمنت والصلب والعمليات الكيميائية تساهم في إطلاق غازات الميثان وأكسيد النيتروز.
- الزراعة المكثفة: تسهم في إطلاق غازات دفيئة قوية تؤثر على توازن الغلاف الجوي.

لغة الأرقام.. فاتورة باهظة للأرواح والأموال
وأشار د. عنان إلى أن البشرية تعيش مرحلة حرجة لم تشهدها منذ 100 ألف عام؛ حيث ارتفعت حرارة الأرض بمقدار 0.8 درجة مئوية في العقود الثلاثة الأخيرة فقط. هذا الارتفاع “البسيط” ظاهريًا تسبب في:
- وفيات مبكرة: سجل عام 2019 وحده 7 ملايين وفاة ناتجة عن تلوث الهواء المرتبط بالتغير المناخي.
- انعدام الأمن الغذائي: في عام 2021، عانى 127 مليون شخص إضافي من الجوع الحاد بسبب موجات الجفاف والحر.
- خسائر اقتصادية: بلغت تكلفة الأضرار الناجمة عن الظواهر الجوية القاسية نحو 264 مليار دولار في عام 2022.
التداعيات الصحية.. خريطة جديدة للأمراض
تتجاوز آثار المناخ مجرد الشعور بالحرارة لتصل إلى إعادة تشكيل الخريطة الوبائية للعالم:
- الأمراض المنقولة بالنواقل: أدى الاحتباس الحراري إلى “هجرة” البعوض الناقل للأمراض إلى مناطق كانت باردة سابقًا. ومن المتوقع أن يصبح 90% من سكان العالم معرضين لخطر الملاريا أو حمى الضنك بحلول عام 2080.
- الأوبئة المائية: الفيضانات تدمر أنظمة الصرف الصحي؛ ما يزيد من تفشي الكوليرا والتيفوئيد.
- الصحة النفسية: هناك علاقة طردية مرعبة بين ارتفاع الحرارة وزيادة حالات الانتحار بنسبة 7% لكل درجة مئوية إضافية، فضلًا عن زيادة الاضطرابات العقلية.
مستقبل الكوكب.. هل وصلنا إلى نقطة اللاعودة؟
تشير التوقعات العلمية التي أكد عليها د. عنان إلى أنه إذا استمر المنحنى التصاعدي للحرارة، فإن الكوكب سيشهد تحولات جذرية في غضون 30 عامًا. فقد تتضاعف حالات الملاريا في أفريقيا، وتظهر في أمريكا الشمالية للمرة الأولى. وتقدر التكاليف المباشرة للأضرار الصحية وحدها ما بين 2 و4 مليارات دولار سنويًا بحلول عام 2030.
على الرغم من قتامة المشهد، إلا أن د. عنان يؤكد أن الفرصة لا تزال قائمة إذا التزم العالم بمخرجات اتفاق باريس للمناخ، والتي تهدف للحد من زيادة الحرارة عند 1.5 درجة مئوية. وتقليصها إلى النصف بحلول 2050.

خريطة الطريق.. كيف نواجه الخطر؟
تتطلب المواجهة خطة عمل دولية منسقة ترتكز على أربعة محاور:
- العدالة التمويلية: تدفق الدعم المالي من الدول الصناعية (المتسببة الكبرى في الانبعاثات) إلى الدول النامية الأكثر تضررًا.
- الاقتصاد الأخضر: الانتقال الكلي للطاقة المتجددة وتقليل الهدر في القطاع الصحي والصناعي.
- البحث والتطوير: ابتكار تقنيات وقائية وعلاجية للأمراض المرتبطة بالمناخ.
- الوعي المجتمعي: تدريب الكوادر الصحية ورفع وعي الأفراد بضرورة احترام موارد الكوكب.
إن التغير المناخي ليس مجرد “قضية بيئية”، بل هو صراع من أجل البقاء. فكل درجة حرارة إضافية تعني فقدان المزيد من الأرواح وتفكك الأنظمة الحيوية التي يعتمد عليها الإنسان.

















