ومع حلول شهر رمضان، صدرت نتائج مراجعة علمية واسعة امتدت بياناتها لنحو سبعة عقود، لتضع حداً لواحد من أكثر المعتقدات شيوعاً: أن الجوع يقود حتماً إلى “الضباب الذهني” وتراجع التركيز والإنتاجية.
الدراسة، التي تناولها تقرير نشره موقع ScienceAlert، لم تكن تجربة منفردة، بل تحليل تجميعي ضخم شمل 63 بحثاً علمياً، و71 دراسة مستقلة، وقرابة 3500 مشارك خضعوا لأكثر من 200 اختبار لقياس الأداء المعرفي، وذلك خلال الفترة من عام 1958 حتى 2025، ما يمنح النتائج ثقلاً علمياً تراكمياً نادراً.
لا فروق جوهرية في الانتباه والذاكرة
النتيجة الأبرز جاءت واضحة: لا يوجد فرق يعتد به في الأداء الذهني بين البالغين الأصحاء الذين خضعوا لصيام متقطع معتدل يشبه نمط الصيام في رمضان وأولئك الذين تناولوا الطعام بشكل اعتيادي.
وأظهرت اختبارات الانتباه، والذاكرة، والوظائف التنفيذية مثل التخطيط واتخاذ القرار، مستويات متقاربة بين المجموعتين، ما يتعارض مع الفكرة الشائعة التي تربط الجوع مباشرة بتراجع الكفاءة الذهنية.

كيف يواصل الدماغ عمله أثناء الصيام؟
ووفقًا لـ”العربية” يفسر الباحثون هذه النتائج بالتحولات الأيضية التي يمر بها الجسم بعد ساعات من الامتناع عن الطعام. فبعد نحو 12 ساعة، تبدأ مخازن الغلوكوز في الانخفاض، ما يدفع الجسم إلى استخدام الدهون كمصدر بديل للطاقة، منتجاً “الأجسام الكيتونية” التي تستطيع تغذية الدماغ بكفاءة.
ويشير العلماء إلى أن هذا “التحول الأيضي” ليس استجابة طارئة، بل آلية تطورية مكنت الإنسان عبر التاريخ من التفكير والعمل خلال فترات شح الغذاء، دون انهيار في القدرات العقلية.
فوائد إضافية محتملة للصيام
إلى جانب ذلك، يرتبط الصيام بحسب الدراسات بتحسين حساسية الإنسولين وتنشيط عملية “الالتهام الذاتي”، وهي آلية خلوية يعتقد أنها تساهم في تجديد الخلايا ودعم الشيخوخة الصحية.
هذه النتائج تفسر الانتشار المتزايد لأنماط الصيام المتقطع في السنوات الأخيرة، سواء لأغراض صحية أو لتحسين نمط الحياة.
فئات أكثر حساسية
ورغم الطمأنينة العامة التي تقدمها النتائج، فإن التأثير لم يكن متطابقاً لدى جميع الفئات. فقد أظهرت البيانات أن الأطفال والمراهقين أكثر تأثراً بتخطي الوجبات، نظراً لحساسية أدمغتهم النامية لتقلبات الطاقة. كما لوحظ تراجع نسبي في الأداء عند إجراء الاختبارات في أوقات متأخرة من اليوم، ربما بسبب تداخل الصيام مع الانخفاض الطبيعي في مستويات اليقظة اليومية.
كذلك، بدت المهام التي تتضمن إشارات مرتبطة بالطعام أكثر قدرة على تشتيت الصائمين مقارنة بالمهام المحايدة، وهو تأثير لم يظهر بالدرجة نفسها لدى غير الصائمين.

رسالة طمأنة
بالنسبة لمعظم البالغين الأصحاء، تحمل هذه المراجعة العلمية رسالة واضحة: الامتناع عن الطعام لساعات لا يعني بالضرورة فقدان الحدة الذهنية أو انخفاض الإنتاجية.
ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن الصيام ليس مناسباً للجميع، لا سيما من يعانون حالات صحية خاصة أو لديهم احتياجات غذائية محددة، ما يستدعي استشارة مختص عند الحاجة.
وفي المحصلة، وبعد سبعة عقود من البيانات، يبدو أن الاعتقاد القائل إن “الجوع يضعف العقل” يحتاج إلى إعادة نظر. فالعقل البشري على الأقل لدى البالغين الأصحاء أكثر قدرة على التكيف مما يعتقد الكثيرون
اقرأ المزيد الصيام.. تدريب عملي على إدارة الغضب داخل الأسرة


















