أقرت الدكتورة يلينا يانجوسيفيتش، نائبة رئيس قسم المحاسبة والاقتصاد والمالية في جامعة هيريوت وات دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، بأهمية الفعاليات السياحية بوصفها رافدا اقتصاديا مهما، لا يقتصر أثره على تحفيز الطلب قصير الأجل، بل يمتد ليعزز مكانة الدولة كعلامة سياحية عالمية على المدى الطويل.
وخلال السنوات الأخيرة، غدت البطولات الرياضية الدولية والمهرجانات الثقافية والفعاليات التفاعلية ركائز أساسية في جذب الزوار، وزيادة الإنفاق، ودعم مسار التنويع الاقتصادي.
ويبرز في هذا السياق الدور المتنامي للمرأة كرياضية ومنظمة ورائدة أعمال ومبدعة وزائرة، بما يسهم في تعزيز العائد الاقتصادي، وترسيخ الاستدامة الاجتماعية.
الأثر الاقتصادي والسياحي قصير الأجل
وتسهم الفعاليات الدولية الكبرى في انتعاش السياحة بشكل فوري، مع زيادة أعداد الزوار، ونسبة إشغال الفنادق. واستخدام وسائل النقل، والإنفاق في قطاعي التجزئة والضيافة.
ووفقًا للمجلس العالمي للسفر والسياحة، ساهم قطاع السفر والسياحة بحوالي 257 مليار درهم إماراتي في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2024. ما يمثل حوالي 13% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يرتفع هذا القطاع إلى ما يقرب من 268 مليار درهم إماراتي عام 2025.
وقد تم تحديد الفعاليات، وسفر الأعمال، والسياحة التجريبية كعوامل رئيسية في هذا النمو المستدام. مما يعكس تحولًا من التعافي ما بعد الجائحة إلى التوسع الهيكلي.
تستقطب البطولات الرياضية العالمية، مثل كأس العالم للسيدات التابعة للمجلس الدولي للكريكيت. والمباريات الاستعراضية رفيعة المستوى، كبطولة “معركة الجنسين” الشهيرة في التنس، جماهير دولية وغفيرة.
تعزز هذه الفعاليات الزيارات القصيرة، وتطيل في الوقت نفسه متوسط مدة الإقامة. حيث يجمع الزوار بين حضور الفعاليات وقضاء أوقات ممتعة في دبي وأبوظبي والإمارات الأخرى. وتتجلى آثارها الإيجابية في قطاعات الإقامة والطيران والمطاعم والتجزئة.
وتسهم المهرجانات الثقافية ومهرجانات الطهي، التي تنظمها طاهيات ومصممات وفنانات. في تعزيز هذا التأثير قصير المدى من خلال تنشيط قطاعات متعددة في آن واحد.
وتجذب مهرجانات الطعام وأسابيع الفنون ومعارض التصميم الزوار ليس فقط إلى أماكن إقامة الفعاليات. بل أيضاً إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة والفنادق وشركات النقل المحيطة، مما يُحدث أثراً مضاعفاً واضحاً على الاقتصاد المحلي.
تبرز فعاليات الطعام وفنون الطهي، مثل مهرجان “مذاق دبي” ومهرجان دبي للمأكولات ومهرجان “جلفود” الذي ينظمه قطاع الضيافة. المشهدَ الغنيّ لفنون الطهي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتجذب عشاق الطعام وسياح الطهي. وتسهم في دعم الطلب على الفنادق والضيافة في جميع أنحاء الإمارات.
كما تعزز فعاليات الفنون والثقافة، مثل أسبوع دبي للفنون ومعرض سكة للفنون ومهرجان قوز للفنون. جاذبية السياحة الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال الجمع بين المواهب الفنية المحلية والعالمية. وإشراك المجتمعات، واستقطاب الزوار الباحثين عن تجارب سفر إبداعية وغنية.
القيمة السياحية طويلة الأجل: تعزيز العلامة التجارية للوجهة وزيادة الزيارات المتكررة
إلى جانب الإنفاق الفوري، تلعب الفعاليات دورًا محوريًا في تشكيل مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة السياحية على المدى الطويل. فاستضافة فعاليات شاملة وذات صلة عالمية تعزز العلامة التجارية للوجهة باعتبارها متطورة، ونابضة بالحياة الثقافية، وذات روابط دولية.
تعد الفعاليات التي تقودها النساء أو تركز عليهن ذات تأثير بالغ في هذا الصدد. وتشير أبحاث منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إلى أن الوجهات التي تعزز الشمولية وتمثيل المرأة هي أكثر قدرة على جذب الزوار المتكررين وشرائح المسافرين ذوي الإنفاق الأعلى، لا سيما من أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.
كما تظهر بيانات قطاع السياحة أن النساء، وخاصة في قطاعات مثل السفر الفردي، يشكّلن نسبة كبيرة ومتنامية من الطلب على السفر، مما يؤثر على اختيار الوجهة ويعطي الأولوية لقيم مثل السلامة والشمولية والتفاعل الثقافي.
ومن خلال استضافة فعاليات تُبرز دور المرأة كقائدة ومنافسة ومبتكرة بشكل مستمر، وتعزز دولة الإمارات العربية المتحدة سمعتها كوجهة تدعم المواهب والتنوع والفرص، وهي عوامل أساسية لولاء السياح على المدى الطويل.
الإستدامة
من منظور الاستدامة، تمثل الفعاليات رافعة مباشرة للبعد الاجتماعي ضمن معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، ولا سيما في ما يتصل بالهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة المعني بالمساواة بين الجنسين، والهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي.
إذ تتحول مشاركة المرأة في الفعاليات كرياضية ومنظمة ورائدة أعمال وصانعة محتوى إلى محرك لخلق فرص العمل، وتنمية المهارات، وتوليد الدخل عبر مختلف حلقات سلاسل القيمة السياحية.
ووفقًا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن زيادة مشاركة المرأة في السياحة تعزز إنتاجية القطاع ومرونته وابتكاره، لا سيما في الاقتصادات القائمة على الخدمات كدولة الإمارات العربية المتحدة. كما تشجع الفعاليات التي تديرها النساء في مجال الطهي والأسواق الإبداعية والعروض الثقافية على استخدام المنتجات المحلية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة. وتعزيز الحفاظ على التراث الثقافي، بما يحقق التوافق بين نمو السياحة والتنمية الشاملة والمستدامة.
علاوة على ذلك، تصمم العديد من الفعاليات الحديثة اليوم مع مراعاة مبادئ الاستدامة. بما في ذلك التوريد المسؤول، والحد من النفايات، وإشراك المجتمع. وعند دمجها مع برامج تراعي المساواة بين الجنسين، تعزز هذه الفعاليات أجندة الاستدامة الأوسع لدولة الإمارات العربية المتحدة واستراتيجيتها السياحية طويلة الأجل.
الدور الاستراتيجي للمرأة في اقتصاد الفعاليات
أدى تزايد حضور المرأة في الرياضة والفنون وفنون الطهي وريادة الأعمال على الصعيد العالمي إلى إعادة تشكيل طبيعة الطلب السياحي. فالفعاليات التي تبرز نخبة الرياضيات أو المواهب الإبداعية بقيادة نسائية تجذب شرائح جديدة من الجمهور. وتلهم الأجيال الشابة، وتوسِّع نطاق جاذبية دولة الإمارات العربية المتحدة لتتجاوز السياحة التقليدية للأعمال أو السياحة الفاخرة.
بصفتها منظمات ورائدات أعمال، تضطلع المرأة بدور استراتيجي في ابتكار الفعاليات. من خلال تطوير أشكال وتجارب ومبادرات مجتمعية جديدة تعزز تفاعل الزوار والأثر الاقتصادي. يسهم ذلك في بناء منظومة فعاليات أكثر تنوعًا ومرونة، قادرة على تحقيق قيمة تتجاوز الموسم الواحد.
ومع استمرار دولة الإمارات العربية المتحدة في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للسياحة والثقافة والرياضة. ستظل الفعاليات ركيزة أساسية في استراتيجيتها الاقتصادية والسياحية. ومن خلال دمج المساواة بين الجنسين والاستدامة في تصميم الفعاليات وتنفيذها، لا تعزز دولة الإمارات عائدات السياحة على المدى القصير فحسب. بل تقوي أيضًا قدرتها التنافسية على المدى الطويل، وأثرها الاجتماعي، وسمعتها العالمية.
بهذا المعنى، لم تعد الفعاليات مجرد مناسبات على جدول الأعمال، بل أصبحت استثمارات استراتيجية في مستقبل اقتصاد السياحة في دولة الإمارات العربية المتحدة. بالنسبة لصناع السياسات ومنظمي الفعاليات، يؤكد هذا على أهمية تصميم فعاليات لا تقتصر على كونها ذات حضور عالمي فحسب. بل تشمل أيضاً الشمولية والاستدامة، وتندمج ضمن استراتيجيات أوسع نطاقاً للتنمية السياحية والاقتصادية.
















