مع بداية كل عام دراسي، تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بصور الأطفال في ملابسهم الجديدة، وحقائبهم المرتبة، وابتساماتهم أمام بوابة المدرسة. تبدو اللحظة احتفالية وبسيطة، لكنها في كثير من الأحيان تأتي بعد أسابيع من التحضير والعمل الذي لا يظهر في الصور.
فما إن ينتهي موسم الأنشطة الصيفية حتى يبدأ سباق شراء اللوازم المدرسية، تجهيز الملابس، التأكد من المقاسات، استكمال الاستمارات. تحديد المواعيد الطبية، تنظيم الوجبات، وإعادة ضبط مواعيد النوم.
إن الاستعداد للعودة إلى المدرسة لا يقتصر على تنفيذ قائمة من المهام اليومية، بل يمثل نوعًا من الاستثمار النفسي والعاطفي في الطفل. هدفه مساعدته على دخول بيئة جديدة قادرة على التعلم والتواصل وبناء العلاقات والشعور بالانتماء.
موسم العودة إلى المدرسة
تحولت العودة إلى المدارس في كثير من المجتمعات إلى مناسبة استهلاكية واجتماعية بحد ذاتها. فالحقائب وعلب الطعام والملابس والأدوات المدرسية تعرض بعناية، وكأن لكل طفل نسخة مثالية من مستلزماته التي ينبغي أن يبدأ بها عامه الدراسي.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يصبح المشهد أكثر وضوحًا، صور اليوم الأول، وغرف الأطفال المرتبة، والملابس المختارة بعناية، ومقاطع توثق لحظات دخول المدرسة.

لكن خلف هذه الصور المثالية تختبئ مخاوف إنسانية بسيطة ومألوفة، هل سيندمج طفلي؟ هل سينجح؟ هل سيجد أصدقاء؟ وهل سيشعر بأنه ينتمي إلى المكان؟
فالطفل لا يدخل المدرسة كعالم اجتماعي جديد، عليه فيه أن يكون صداقات، ويتعامل مع القواعد، ويكوّن صورته عن نفسه وعن الآخرين.
تجهيز الطفل للانتماء
يحتاج الأطفال، بحكم طبيعة نموهم، إلى البالغين لفترة طويلة من حياتهم من أجل الحماية والتعلم وتوفير الموارد ومساعدتهم على بناء علاقات اجتماعية معقدة. ولا يقتصر استثمار الوالدين في أطفالهم على الطعام والملبس والتعليم، بل يشمل أيضًا الوقت والاهتمام والطاقة العاطفية.
وتزداد أهمية هذا الاستثمار عندما يتعلق الأمر بالحياة المدرسية، يحتاج إلى تعلم كيفية تكوين الصداقات، والتعامل مع المواقف الاجتماعية، وفهم مكانه داخل المجموعة.
حتى التفاصيل الصغيرة قد تحمل أهمية كبيرة بالنسبة إليه، فقد يعني نسيان ورقة مدرسية تفويت نشاط، أو ارتداء ملابس مختلفة عن بقية الأطفال شعورًا مؤقتًا بالغربة، أو عدم معرفة جدول اليوم الأول مصدرًا للقلق.
لذلك، تصبح اللوازم والروتين والملابس والاستعدادات المختلفة أدوات تساعد الطفل على دخول المدرسة بثقة أكبر. لكن ما لا يظهر في هذه العملية هو كمية العمل التي تبذل خلف الكواليس.

العبء الذهني
لا يتعلق العبء المنزلي بتنفيذ المهام فقط، بل يشمل أيضًا التفكير في ما يجب فعله قبل حدوثه، وتوقع الاحتياجات، واتخاذ القرارات، ومتابعة النتائج. وهو ما يعرف بالـعمل المنزلي المعرفي.
وقد أظهرت أبحاث أن النساء يتحملن جزءً أكبر من هذا العمل، خصوصًا فيما يتعلق بتوقع الاحتياجات ومتابعة التفاصيل اليومية.
وتشير دراسة شملت نحو 3000 من الآباء والأمهات في الولايات المتحدة إلى استمرار هذا التفاوت. إذ أفادت الأمهات بأنهن يتحملن النسبة الأكبر من العمل المعرفي المنزلي، ولا سيما في المهام اليومية الروتينية.
المشكلة هنا أن هذا النوع من العمل غير مرئي تقريبًا، فالأم التي تراقب بريد المدرسة، وتتذكر موعد التطعيم. وتعرف متى يجب شراء الزي الجديد، وتفكر مسبقًا في وجبة الغداء. قد لا تبدو وكأنها تعمل، لكنها في الواقع تدير شبكة معقدة من المسؤوليات في ذهنها.
عندما تصطدم المدرسة بالعمل
لا ينتهي هذا العبء عند باب المنزل، فعندما يبدأ العام الدراسي، تظهر تحديات أخرى مرتبطة بالعمل. فالمدرسة قد تتطلب حضورًا في اجتماع صباحي، أو استلام الطفل مبكرًا، أو التعامل مع حالة مرضية مفاجئة، أو المشاركة في نشاط، أو الرد على طلب عاجل.
وفي المقابل، يعمل كثير من الموظفين في بيئات تفترض تفرغهم خلال ساعات العمل. وهنا يظهر التعارض بين نظامين، المدرسة التي تفترض وجود شخص متاح لرعاية الطفل، والعمل الذي يفترض وجود شخص آخر يتولى هذه المسؤولية.
وعندما لا تتوافر المرونة الكافية، قد تقع التكلفة على المسار المهني للأم، فتضطر إلى تقليل ساعات العمل أو رفض بعض الفرص أو التعامل مع ضغط إضافي يصعب رؤيته من الخارج.

المشكلة ليست في الأمهات
من السهل النظر إلى الأم التي تشعر بالإرهاق خلال بداية العام الدراسي. والقول أنها تحتاج فقط إلى تنظيم وقتها بشكل أفضل لكن المشكلة أعمق من ذلك.
فالضغط الذي تعاني منه كثير من الأمهات لا ينتج بالضرورة عن سوء التنظيم، وإنما عن تراكم مسؤوليات يفترض النظام الاجتماعي أن شخصًا ما سيتولاها.
المدرسة تحتاج إلى شخص متاح، الطفل يحتاج إلى شخص يتابع تفاصيله، العمل يحتاج إلى موظف حاضر ومتفرغ. والأسرة تحتاج إلى شخص يدير الحياة اليومية. وعندما تجتمع كل هذه المتطلبات في شخص واحد، يصبح الإرهاق نتيجة طبيعية، وليس فشلًا شخصيًا.
المشاركة الحقيقية لا تعني تقسيم المهام فقط
قد لا يكون الحل في أن يقول أحد الوالدين للآخر: «أخبريني ماذا أفعل»،فهذا يبقي مسؤولية التفكير والتخطيط لدى الشخص نفسه.
المشاركة الحقيقية تعني أن يتحمل الوالدان ملكية المسؤولية معًا، متابعة رسائل المدرسة، معرفة المواعيد النهائية، التواصل مع المعلمين. استكمال الاستمارات، التعامل مع المشكلات، وتنظيم الأنشطة، دون انتظار أن يتلقى أحدهما التعليمات من الآخر.
كما أن دور أصحاب العمل مهم أيضًا، فالعودة إلى المدرسة فترة معروفة مسبقًا ترتفع خلالها متطلبات رعاية الأطفال. ويمكن لمرونة محدودة في ساعات العمل، وتقليل الاجتماعات غير الضرورية في الصباح. وتوفير خيارات مناسبة للإجازات، أن تخفف الضغط عن الموظفين.
والأهم أن تكون هذه المرونة متاحة للآباء والأمهات على حد سواء، حتى لا تتحول رعاية الأطفال تلقائيًا إلى «مهمة نسائية».

لا تظهر قوائم المشتريات، ورسائل المدرسة، ومواعيد الأطباء، وعمليات البحث عن المقاس المناسب، وتعديل جدول النوم، وتحضير الوجبات. والقلق بشأن الأصدقاء، ولا الساعات التي أمضيت في التفكير في التفاصيل التي يحتاجها الطفل.
ولا تظهر الأم أو الأب اللذين يقفان خلف الكاميرا، وقد أنهيا بالكاد مرحلة من التحضير، وبدآ بالفعل التفكير في اليوم التالي.
وربما تكون هذه هي المفارقة في العودة إلى المدرسة، يبدأ العام الدراسي بالنسبة للطفل عندما يدخل من بوابة المدرسة. لكنه يبدأ بالنسبة إلى الوالدين قبل ذلك بكثير.
إن الصورة المثالية لليوم الأول ليست مجرد صورة لطفل يبدأ فصلًا جديدًا. بل هي أيضًا نتيجة لساعات من الرعاية والعمل الذهني والعاطفي غير المرئي.
والاعتراف بهذا العمل هو الخطوة الأولى نحو توزيعه بصورة أكثر عدلًا، حتى لا تضطر الأمهات وحدهن إلى حمل العبء الكامل خلف كل ابتسامة مدرسية.
















