مع تزايد الحديث عن ظاهرة القطيعة الأسرية، خاصة بين الأبناء البالغين ووالديهم، برزت تساؤلات وانتقادات تتهم العلاج النفسي بأنه أحد الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى قطع علاقاتهم بأسرهم.
ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن المعالجين النفسيين يشجعون عملاءهم على الابتعاد عن الوالدين أو تقليل التواصل معهم. ما يجعل العلاج في نظر المنتقدين عاملًا مساهمًا في تفكك العلاقات العائلية.
لكن هذه النظرة تختزل عملية علاجية معقدة في تفسير بسيط، وتتجاهل الأسباب والديناميكيات التي قد تقف خلف قرار القطيعة. فالعلاج النفسي، في جوهره، لا يهدف إلى تفكيك الأسر أو دفع الأفراد إلى التخلي عن علاقاتهم، بل إلى مساعدة الشخص على فهم نفسه وعلاقاته. والتعامل مع مشكلاته، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا بما يخدم صحته النفسية ورفاهيته.
العلاج النفسي ليس دعوة إلى القطيعة
يسعى المعالج النفسي عادة إلى مساعدة الفرد على بناء علاقات أكثر صحة، سواء داخل الأسرة أو خارجها. وقد يشمل ذلك تعلم مهارات التواصل، وفهم أسباب النزاعات، وتحسين القدرة على التعبير عن المشاعر. ووضع الحدود الشخصية، ومعالجة الجروح القديمة التي تركتها تجارب سابقة.
وفي بعض الحالات، قد يكون العلاج وسيلة لإصلاح العلاقة الأسرية وليس إنهائها. فعندما يكون أفراد الأسرة مستعدين للحوار وتحمل المسؤولية والعمل على تغيير السلوكيات المؤذية. يمكن أن تساعد العملية العلاجية على تقريب وجهات النظر وإعادة بناء الثقة وتحسين التواصل.

لكن ليس كل العلاقات قابلة للإصلاح بالطريقة نفسها، بعض الأشخاص يدخلون العلاج بعد سنوات طويلة من الصراعات أو التجارب المؤلمة أو الشعور بعدم الأمان داخل محيطهم الأسري. ومع مرور الوقت، قد يساعدهم العلاج على رؤية هذه العلاقات بصورة مختلفة، وفهم تأثيرها في حياتهم وصحتهم النفسية.
وهنا قد يختار بعضهم وضع حدود جديدة، أو تقليل التواصل، أو الابتعاد بشكل مؤقت أو دائم. غير أن هذا القرار لا يعني بالضرورة أن المعالج هو من طلب منهم القيام بذلك.
لماذا يختار البعض قطع العلاقات الأسرية؟
القطيعة الأسرية ليست، في كثير من الحالات، قرارًا سريعًا إذ أن الابتعاد عن أحد الوالدين أو عن الأسرة قد يأتي بعد سنوات من الخلافات، ومحاولات المصالحة، وفشل التواصل، والشعور المتكرر بأن العلاقة تسبب الأذى أو الضغط النفسي.
وقد يكون قرار القطيعة مؤلمًا حتى بالنسبة للشخص الذي يتخذه. فالعلاقة الأسرية ترتبط بالهوية والطفولة والذكريات والانتماء. ولذلك لا يكون الابتعاد عنها سهلًا بالضرورة.
وتشير الدراسات حول القطيعة الأسرية إلى أن كثيرًا من الأشخاص لا يتخذون هذا القرار إلا بعد استنفاد محاولات متعددة لتحسين العلاقة. وقد تشمل هذه المحاولات الحوار، أو التسامح، أو تقليل الخلافات، أو طلب تغيير سلوك معين، أو حتى اللجوء إلى العلاج النفسي.

لكن عندما لا تتغير الظروف أو تستمر أنماط مؤذية من التعامل، قد يرى الشخص أن وضع مسافة بينه وبين أحد أفراد أسرته هو الخيار الوحيد المتاح لحماية نفسه.
عندما يصبح المعالج «كبش فداء»
من الصعب أحيانًا على بعض أفراد الأسرة تقبل فكرة أن سلوكهم أو طريقة تعاملهم قد تكون أحد أسباب ابتعاد شخص قريب منهم. ولذلك، قد يبدو إلقاء المسؤولية على المعالج النفسي تفسيراً أسهل.
فبدلًا من التساؤل عن الأسباب التي دفعت الابن أو الابنة إلى الابتعاد، أو مراجعة سنوات من الخلافات والتجارب المشتركة. قد يتم اختصار الأمر في عبارة: «المعالج هو الذي جعله يقطع علاقته بنا».
لكن هذا التفسير قد يتجاهل تاريخ العلاقة بالكامل، فالقرار الذي يبدو مفاجئًا للطرف الذي بقي خارج التجربة النفسية للشخص، قد يكون في الحقيقة نتيجة سنوات طويلة من المعاناة والتردد والمحاولات غير الناجحة لتغيير الوضع.
ولا يعني ذلك بالطبع أن كل قرار بالقطيعة صحيح بالضرورة، أو أن كل علاقة أسرية صعبة يجب أن تنتهي. فكل علاقة لها ظروفها وتعقيداتها الخاصة. لكن تحميل المعالج النفسي المسؤولية الكاملة عن قرار شخص بالغ قد يكون تبسيطاً مفرطاً لمسألة أكثر تعقيدًا.
دور المعالج.. المساعدة لا اتخاذ القرار
لا يفترض أن يكون دور المعالج النفسي هو إصدار الأوامر أو اتخاذ القرارات نيابة عن الشخص الذي يتلقى العلاج. فالعلاج يقوم في الأساس على مساعدة الفرد على فهم مشاعره وتجربته، والنظر في خياراته المختلفة، واتخاذ قراراته بصورة أكثر وعيًا.

وقد يناقش الشخص مع معالجه خيارات متعددة، مثل محاولة إصلاح العلاقة، أو تحسين التواصل، أو وضع حدود واضحة. أو تقليل التواصل لفترة معينة. وفي بعض الحالات، قد يقرر الشخص الاستمرار في العلاقة، وفي حالات أخرى قد يختار الابتعاد عنها.
القرار النهائي، في إطار العلاج السليم، لا يفترض أن يكون نتيجة رغبة المعالج الشخصية، بل نتيجة عملية يفهم خلالها الشخص احتياجاته وظروفه وخياراته.
ومع ذلك، فإن المعالجين، مثل جميع البشر، ليسوا خالين تمامًا من التحيزات الشخصية. ولهذا تعتمد الممارسة المهنية على مبادئ أخلاقية وإجراءات مثل الإشراف المهني والتدريب المستمر والمراجعة الذاتية. بهدف الحد من تأثير القناعات الشخصية في القرارات العلاجية.
اكتشاف الذات قد يغير نظرتنا إلى العلاقات
أحد أهم جوانب العلاج النفسي هو اكتشاف الذات. فالشخص الذي يبدأ العلاج قد يكون معتادًا على أنماط معينة من العلاقات منذ طفولته، من دون أن يتوقف كثيراً للتفكير في تأثيرها عليه.
وقد يكتشف خلال الجلسات أن بعض السلوكيات التي كان يعتبرها طبيعية كانت تسبب له ضغطًا أو خوفًا أو شعورًا دائمًا بالذنب أو التقليل من قيمته. كما قد يبدأ في فهم مفاهيم مثل الحدود الشخصية، والعلاقات الصحية، والإساءة النفسية، وأنماط السيطرة أو التلاعب.
هذه المعرفة الجديدة لا تعني أن المعالج يطلب منه قطع العلاقة، لكنها قد تمنحه أدوات مختلفة للنظر إليها، فالشخص الذي لم يكن يعرف أن من حقه رفض بعض التصرفات، قد يبدأ في وضع حدود. ومن كان يشعر بأنه مضطر دائمًا إلى تلبية مطالب الآخرين، قد يتعلم أن يقول «لا»، ومن كان يعيش في علاقة تستنزفه عاطفيًا، قد يبدأ في التساؤل عن تأثير استمرار هذه العلاقة في حياته.

ومن هنا، قد يبدو التغيير للآخرين وكأنه نتيجة مباشرة للعلاج، بينما يكون العلاج في الحقيقة قد ساعد الشخص على فهم ما كان يعيشه واتخاذ موقف أكثر وضوحًا.
الحدود ليست دائمًا قطيعة
من المهم التمييز بين وضع الحدود والقطيعة الكاملة. فليس كل شخص يراجع علاقته بأسرته يقرر إنهاء التواصل معها. قد تعني الحدود تقليل عدد الزيارات، أو رفض مناقشة موضوعات معينة، أو عدم السماح بالإهانة، أو وضع قواعد واضحة للتعامل. وقد تعني أيضًا أخذ مسافة مؤقتة حتى تهدأ الخلافات أو تتغير الظروف.
وفي بعض الحالات، يمكن أن تساعد الحدود الواضحة في إنقاذ العلاقة بدلًا من إنهائها. لأنها تمنح الطرفين فرصة لفهم ما هو مقبول وما هو غير مقبول. أما القطيعة الكاملة، فهي خيار أكثر تعقيدًا. وقد تكون مؤقتة أو طويلة الأمد، وتختلف دوافعها من شخص إلى آخر.
العلاج النفسي وتعزيز تقدير الذات
بالنسبة إلى كثير من الأشخاص، قد تكون جلسات العلاج النفسي المرة الأولى التي يشعرون فيها بأن هناك من يستمع إليهم من دون إصدار أحكام مسبقة.

ومع مرور الوقت، قد يساعد هذا الشعور على تعزيز تقدير الذات وفهم الاحتياجات الشخصية بصورة أفضل. وقد يبدأ الشخص في إدراك أن مشاعره تستحق الاهتمام، وأن من حقه البحث عن الأمان والاحترام في علاقاته.
وهذا التحول قد ينعكس على طريقة التعامل مع الأسرة، فالشخص الذي كان يقبل سلوكًا مؤذيًا في الماضي خوفًا من الرفض أو الشعور بالذنب، قد يصبح أكثر استعدادًا للتعبير عن رفضه ووضع حدود تحميه.
ومن الخارج، قد يفسر هذا التغيير على أنه تمرد أو نتيجة لتأثير المعالج، لكنه قد يكون في الواقع نتيجة نمو الشخص وفهمه لذاته بصورة أعمق.
هل العلاج النفسي سبب أم مساحة للفهم؟
لماذا أصبح بعض الأشخاص أكثر استعدادًا لمراجعة هذه العلاقات بعد دخولهم العلاج؟
العلاج يوفر مساحة آمنة للتفكير في تجارب قد لا يجد الشخص فرصة لمناقشتها في حياته اليومية. وقد يساعده على إعادة النظر في علاقاته من دون ضغط أو خوف أو أحكام.
وخلال هذه العملية، قد يكتشف بعض الأشخاص أن علاقتهم بأسرهم قابلة للتحسن، فيعملون على إصلاحها. وقد يكتشف آخرون أن استمرار العلاقة بالشكل نفسه يسبب لهم ضررًا نفسيًا مستمرًا، فيقررون وضع حدود أو تقليل التواصل. وفي الحالتين، لا يكون الهدف هو القطيعة بحد ذاتها، بل الوصول إلى قرار أكثر وعيًا.

القطيعة ليست دائمًا النهاية
حتى عندما تحدث القطيعة، فإنها لا تعني بالضرورة أن العلاقة انتهت إلى الأبد. فقد تكون في بعض الحالات فترة من الابتعاد تمنح الأطراف فرصة لإعادة التفكير في العلاقة. وفهم أسباب الخلاف، وربما العودة إلى التواصل بشروط أكثر صحة.
كما أن المصالحة، عندما تحدث، تحتاج إلى رغبة حقيقية من جميع الأطراف، وليس فقط إلى رغبة الشخص الذي غادر العلاقة. فإعادة بناء الثقة تتطلب الاعتراف بالمشكلات، والاستعداد للاستماع، واحترام الحدود، وإجراء تغييرات حقيقية في طريقة التعامل.
ولا يمكن لأي معالج أن يفرض المصالحة، كما لا ينبغي له أن يفرض القطيعة.
قرار شخصي ومعقد
لا يمكن اختزال العلاقة بين العلاج النفسي والقطيعة الأسرية في فكرة أن المعالجين يفككون الأسر أو يدفعون الناس إلى التخلي عن عائلاتهم. فالعلاج النفسي عملية تهدف في الأساس إلى زيادة الوعي بالذات، وفهم العلاقات، وتحسين القدرة على اتخاذ القرارات.
وقد يقود هذا الوعي إلى إصلاح العلاقة الأسرية، أو إلى وضع حدود جديدة، أو في بعض الحالات إلى اتخاذ قرار صعب بالابتعاد. لكن القاسم المشترك في كل ذلك هو أن الشخص يصبح أكثر قدرة على فهم ما يحتاج إليه وما يستطيع تحمله وما الذي يريده من علاقاته.
فالقطيعة الأسرية، عندما تحدث، غالبًا ما تكون جزءً من قصة طويلة لا تبدأ داخل غرفة العلاج. أما المعالج النفسي، فيمكن أن يكون شاهدًا ومساعدًا في رحلة فهم هذه القصة، لا الشخص الذي كتب نهايتها.
والمعضلة الحقيقية تدور حول ما حدث في العلاقة حتى أصبحت القطيعة، بالنسبة إلى أحد أطرافها، خياراً مطروحاً أصلاً؟.
















