انتقل الزعفران في المملكة العربية السعودية من كونه محصول يستورد لتلبية الطلب المحلي، إلى محور مشروع بحثي وزراعي طموح يسعى إلى تحويله إلى أحد المحاصيل الواعدة في القطاع الزراعي الوطني.
فهذا النبات، الذي يعرف عالميًا بقيمته الاقتصادية المرتفعة ويلقب بـ«الذهب الأحمر»، بدأ يجد له مكانًا في الحقول والبيوت الزراعية السعودية. مستفيدًا من البحث العلمي والتقنيات الحديثة وتنوع البيئات المناخية في مناطق المملكة.
ومع انتقال التجارب من المختبرات والمزارع البحثية إلى الحقول، تبرز مؤشرات متزايدة على إمكانية إنتاج زعفران سعودي عالي الجودة. قادر مستقبلًا على منافسة المنتجات العالمية وفتح آفاق جديدة أمام المزارعين والمستثمرين.
من مشروع بحثي إلى إستراتيجية للتوطين
بدأت رحلة توطين زراعة الزعفران في المملكة قبل إطلاق المشروع رسميًا، من خلال تجارب بحثية هدفت إلى معرفة مدى قدرة هذا المحصول على النمو والإنتاج في الظروف المناخية المحلية، والبحث عن أفضل الطرق لرفع إنتاجيته.
وفي عام 2024، أطلق المركز الوطني لأبحاث وتطوير الزراعة المستدامة «استدامة» مشروعًا لتوطين زراعة الزعفران، ضمن توجه يهدف إلى تطوير محاصيل ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، مع مراعاة كفاءة استخدام الموارد واستدامة الإنتاج.

ولا يقوم المشروع على فكرة زراعة الزعفران فحسب، بل يعتمد على دراسة سلسلة كاملة تبدأ من اختيار البيئة المناسبة والكورمات، مرورًا بطرق الزراعة والإنتاج والحصاد، وصولًا إلى التجفيف والتخزين والتعبئة والتسويق.
والهدف في النهاية هو بناء نموذج إنتاج سعودي متكامل. لا يقتصر على نجاح التجربة الزراعية، بل يمتد إلى تحويل الزعفران إلى نشاط اقتصادي قادر على تحقيق قيمة مضافة للقطاع الزراعي.
تجارب متعددة.. والزراعة الحديثة تدخل على الخط
للوصول إلى أفضل نموذج للإنتاج، خضع الزعفران في المملكة لعدة تجارب باستخدام أساليب زراعية مختلفة. شملت الزراعة التقليدية في التربة المكشوفة، والزراعة داخل البيوت المحمية، إلى جانب الأحواض المائية وأنظمة الزراعة العمودية.
وأظهرت النتائج الأولية أن استخدام التقنيات الحديثة يمكن أن يفتح آفاقًا واسعة لرفع الإنتاجية وتسريع دورة الإزهار مقارنة بالطرق التقليدية.
فالزراعة العمودية، على سبيل المثال، أتاحت استغلال المساحات بصورة أكبر. وسجلت نتائج مرتفعة في إنتاج مياسم الزعفران الجافة لكل متر مربع مقارنة بالزراعة التقليدية. كما ساهمت الزراعة المائية في تحسين بعض مؤشرات النمو وزيادة عدد الأزهار.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في بلد مثل المملكة، حيث يمثل الاستخدام الكفء للمياه والأراضي الزراعية أحد أهم التحديات والفرص في الوقت نفسه.
وتشير بعض التجارب البحثية إلى أن تطوير نظم الزراعة الحديثة، مثل الزراعة العمودية والمائية. يمكن أن يرفع إنتاج الزعفران بصورة ملحوظة مقارنة بالزراعة التقليدية، ما يجعل التكنولوجيا الزراعية عنصرًا أساسيًا في مستقبل هذا المحصول.

تيماء تدخل خريطة «الذهب الأحمر»
وفي شمال غرب المملكة، برزت محافظة تيماء التابعة لمنطقة تبوك كمحطة جديدة في رحلة توطين الزعفران. فقد بدأت فيها تجارب حقلية بعد ملاحظة إمكانية نمو أزهار وكورمات الزعفران في بيئتها المحلية، وسجلت التجارب نتائج وصفت بالواعدة، الأمر الذي فتح الباب أمام مواصلة الدراسات والتوسع في اختبار ملاءمة المحافظة لإنتاج هذا المحصول.
وتتمتع تيماء بعدد من الخصائص البيئية والزراعية التي شجعت الباحثين والمزارعين على استكشاف إمكاناتها. خاصة مع وجود خبرات زراعية محلية وتجارب سابقة في زراعة عدد من المحاصيل.
ومع نجاح المؤشرات الأولية، أصبحت تبوك واحدة من المناطق السعودية التي تتجه إليها الأنظار ضمن مشروع توطين الزعفران، إلى جانب مناطق مثل الرياض والقصيم والباحة.
نصف مليون كورمة.. التجربة تنتقل إلى المزارعين
لم يبق المشروع داخل نطاق البحث العلمي، بل انتقل تدريجيًا إلى التطبيق الميداني. وفي إطار الموسم الثاني لمشروع توطين الزعفران، نفذ مركز «استدامة» برنامجًا لدعم المزارعين في المناطق ذات الملاءمة المناخية، شمل توزيع أكثر من 500 ألف كورمة زعفران.

ويمثل هذا الانتقال خطوة مهمة، لأن نجاح أي مشروع زراعي لا يقاس فقط بنتائج التجارب البحثية. وإنما بقدرته على الوصول إلى المزارع وتحويل المعرفة العلمية إلى إنتاج فعلي.
ولهذا، شملت جهود المشروع برامج تدريبية وورش عمل وأيامًا حقلية، إلى جانب الإشراف على مراحل الإنتاج المختلفة. بهدف تمكين المزارعين من التعامل مع محصول يحتاج إلى عناية دقيقة، بدءً من الزراعة، مرورًا بقطف الأزهار وفصل المياسم، وانتهاءً بعمليات التجفيف والتخزين.
الجودة أولًا.. الزعفران السعودي يختبر المعايير العالمية
الإنتاج وحده لا يكفي في سوق الزعفران، إذ ترتبط القيمة الحقيقية للمحصول بدرجة جودته وخصائصه الكيميائية والحسية.
وفي هذا الجانب، سجل مشروع توطين الزعفران نتائج لافتة، بعدما أظهرت التحاليل التي أجريت على عينات من الزعفران المنتج محليًا مطابقتها لمتطلبات المواصفة القياسية الدولية ISO 3632، وهي من أهم المعايير المستخدمة لتقييم جودة الزعفران.
وتشمل هذه المؤشرات خصائص أساسية، مثل اللون والرائحة والمكونات المسؤولة عن القيمة النوعية للزعفران، ومن بينها الكروسين. وتمنح هذه النتائج المشروع بعدًا جديدًا، إذ أصبح الأمر يتعلق أيضًا بمدى القدرة على إنتاج محصول يتمتع بمواصفات تنافسية في الأسواق.
لماذا الزعفران؟
يتميز الزعفران بقيمة اقتصادية مرتفعة مقارنة بالعديد من المحاصيل الزراعية الأخرى، كما أن إنتاجه يعتمد على عملية دقيقة تبدأ بزراعة الكورمات وتنتهي باستخراج المياسم وتجفيفها.

ومن المعروف أن كمية صغيرة من الزعفران تحتاج إلى عدد كبير من الأزهار. إذ إن كل زهرة تنتج ثلاثة مياسم فقط، ما يفسر جانبًا من ارتفاع قيمة هذا المحصول في الأسواق العالمية.
لكن قيمته لا ترتبط بسعره وحده؛ فالزعفران يمكن أن يفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية متعددة. تشمل الإنتاج الزراعي، والتجفيف، والتعبئة، والتسويق، والصناعات الغذائية وغيرها من المنتجات المرتبطة به.
ومن هنا، ينظر إلى مشروع توطين الزعفران باعتباره فرصة لتنويع مصادر دخل المزارعين. خصوصًا في المناطق التي تتوافر فيها الظروف المناسبة للإنتاج.
من الحقل إلى السوق.. بناء سلسلة قيمة متكاملة
تسعى جهود التوطين إلى تجاوز مرحلة إنتاج الزهور فقط، من خلال تطوير سلسلة قيمة متكاملة للزعفران. فالمشروع يهتم بتطوير أدوات القياس والتحليل، وإعداد أدلة للممارسات الزراعية. وتحديد أفضل أساليب التجفيف والتخزين والتعبئة، وهي مراحل لا تقل أهمية عن الزراعة نفسها.
فالزعفران محصول حساس، ويمكن أن تتأثر جودته بصورة كبيرة بطريقة التعامل معه بعد الحصاد. لذلك فإن الحفاظ على خصائصه يتطلب معرفة فنية دقيقة.
وهنا تظهر أهمية بناء كوادر وطنية متخصصة، قادرة على نقل المعرفة وتطبيقها في مختلف مناطق المملكة. بدل الاعتماد الكامل على الخبرات الخارجية.

التقنية تسرّع رحلة الإزهار
ومن أكثر الجوانب إثارة في رحلة تطوير زراعة الزعفران بالمملكة، الاتجاه نحو استخدام التكنولوجيا الزراعية. فالتجارب المتعلقة بالزراعة العمودية والإضاءة الصناعية والتحكم في الظروف المناخية أظهرت إمكانات كبيرة لتقليص الفترة اللازمة للوصول إلى مرحلة الإزهار، مقارنة بالزراعة التقليدية.
وتفتح هذه التقنيات الباب أمام نموذج مختلف للإنتاج، يعتمد بدرجة أكبر على التحكم في البيئة الزراعية. بما يسمح بإنتاج الزعفران حتى في المناطق التي قد لا تكون ظروفها الطبيعية مثالية طوال العام.
وهذا التوجه يعكس تحولًا أوسع في القطاع الزراعي السعودي، حيث لم تعد الزراعة تعتمد فقط على التربة والمناخ. بل أصبحت التكنولوجيا عنصرًا قادرًا على إعادة تعريف الإمكانات الزراعية.
مستقبل «الذهب الأحمر» في المملكة
لا يزال مشروع توطين زراعة الزعفران في مرحلة التطوير والتوسع، إلا أن النتائج التي حققتها التجارب العلمية والميدانية تشير إلى وجود فرص واعدة.
فالنجاح في إنتاج زعفران مطابق للمعايير الدولية، وتوسيع نطاق التجارب إلى مناطق مختلفة، وتوزيع الكورمات على المزارعين. وتطوير برامج التدريب والتأهيل، كلها خطوات ترسم ملامح صناعة زراعية جديدة.

ويبقى التحدي في الانتقال من التجارب الناجحة إلى إنتاج اقتصادي مستدام، قادر على المنافسة من حيث الجودة والتكلفة والاستمرارية. لكن ما يحدث اليوم في تيماء وتبوك وغيرها من المناطق يؤكد أن الزعفران بدأ يشق طريقه في المشهد الزراعي السعودي.
فبين الحقول التقليدية، والبيوت المحمية، وأنظمة الزراعة المائية والعمودية، تتشكل قصة جديدة لمحصول كان يأتي إلى المملكة من خارج حدودها. وقد يصبح في المستقبل أحد المنتجات التي تحمل علامة «صنع وزرع في السعودية».
إن مشروع الزعفران إلى جانب أنه زهرة جميلة ذات مياسم حمراء ثمينة. يمثل تجربة تجمع بين البحث العلمي والتقنية الزراعية وتمكين المزارعين والاستثمار والاستدامة. في محاولة لتحويل «الذهب الأحمر» من محصول مستورد إلى فرصة اقتصادية تنمو في الأرض السعودية.















