«أنا راوي» في باريس.. رواة العلا يحيون التراث ويصنعون جسور الحوار

تستمر استضافة مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو في باريس معرضًا فوتوغرافيًا في الهواء الطلق يحتفي بالتراث الحي لمدينة العلا في المملكة العربية السعودية، والذي بدأ يوم 15 يونيو إلى غاية 31 أغسطس 2026.

ويحمل المعرض عنوان «أنا راوي: مشاركة القصص – اكتشاف الثقافات»، ليأخذ الزوار في رحلة تكشف كيف يمكن للتراث أن يتحول من مجرد صفحات من الماضي إلى مساحة حية للحوار والتواصل بين البشر.

العلا.. أرض الحكايات وملتقى الثقافات

منذ آلاف السنين، كانت العلا محطة مهمة على طرق التجارة القديمة، ومكانًا التقت فيه الشعوب والثقافات وتبادلت السلع والأفكار والقصص. وما زال هذا الإرث حاضرًا اليوم من خلال الرواة، وهم أبناء المنطقة الذين يحملون ذاكرة المكان ويعملون على نقل قصصه وتاريخه إلى الزوار والأجيال الجديدة.

ولا يقتصر دور الراوي على تقديم المعلومات التاريخية أو مرافقة الزوار في المواقع الأثرية، بل يتجاوز ذلك ليصبح وسيطًا ثقافيًا يربط بين الإنسان والمكان. فمن خلال الحكاية والتجربة الشخصية، يصبح التراث أكثر قربًا وحيوية، ويتحول التاريخ إلى تجربة يمكن عيشها ومشاركتها.

ويبرز المعرض الفوتوغرافي هذا الدور من خلال صور مؤثرة توثق لقاءات إنسانية وتجارب حقيقية بين سكان العلا وزوارها، حيث تصبح كل صورة نافذة على قصة، وكل قصة فرصة لاكتشاف ثقافة مختلفة.

سرد القصص والحوار بين الثقافات

ينطلق المعرض من فكرة أساسية مفادها أن التراث تجربة يمكن أن تجمع الناس وتفتح بينهم حوارًا. ولذلك، يعرض مشروع «أنا راوي» الرواة بوصفهم حماة للذاكرة وميسّرين للحوار في الوقت نفسه.

وقد شهدت الشراكة بين اليونسكو والهيئة الملكية لمحافظة العلا تطوير نموذج مبتكر يعرف باسم «المتحف الحي». ويعيد هذا النموذج تصور المتاحف والمؤسسات التراثية باعتبارها فضاءات للتفاعل والحوار، بدلًا من أن تكون مجرد أماكن للعرض والمشاهدة الصامتة.

وفي العلا، اتخذ هذا النموذج شكلًا محليًا تحت اسم «قصة بقصة» أو Swap a Story. وهي تجربة تفاعلية تجمع السكان المحليين والزوار حول الحكايات والتجارب الشخصية. وتدعو المشاركين إلى تبادل وجهات النظر واكتشاف ما يجمعهم رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية.

«قصة بقصة»… عندما يصبح التراث مساحة للتبادل

تقوم مبادرة «قصة بقصة» على منطق أن لكل إنسان قصة، ومشاركة هذه الأخيرة يمكن أن تخلق جسرًا نحو الآخر. وخلال الجلسات التفاعلية، تُستخدم عناصر وموضوعات مرتبطة بالتراث لتحفيز النقاش حول قضايا إنسانية مشتركة. مثل الهجرة، والمعتقدات، والهوية، والتجارب الثقافية.

وتستند هذه المبادرة إلى منهجية اليونسكو الخاصة بـ«حلقات حكاية التجارب الشخصية». حيث يجتمع البعد المنهجي للحوار مع الجانب الإنساني والعاطفي للتجربة.

وقد بدأت رحلة تطوير هذا النموذج في فبراير 2025 بمقر اليونسكو في باريس، عندما شارك عدد من رواة العلا في برنامج تدريبي حول الحوار بين الثقافات، وساهموا في تصميم نماذج أولية لـ«المتحف الحي». ومنذ ذلك الحين، تطورت التجربة لتتحول إلى لقاءات واقعية في البلدة القديمة بالعلا، حيث يتبادل المشاركون القصص ويتعرفون إلى رؤى وتجارب مختلفة.

الرواة.. سفراء ثقافيون للعلا

يشير مصطلح «راوي» إلى مجموعة من المواطنين السعوديين، معظمهم من أبناء العلا، الذين تلقوا تدريبًا متخصصًا في تفسير التراث وفنون سرد القصص. ومنذ انفتاح العلا على السياحة عام 2020، أصبح الرواة جزءً أساسيًا من تجربة الزوار، حيث يقودونهم عبر المواقع التاريخية والأثرية الرئيسية، مثل الحِجر، وددان، وجبل عكمة، وبلدة العلا القديمة.

ويمتلك هؤلاء الرواة دورًا يتجاوز الإرشاد السياحي التقليدي؛ فهم يقدمون للزائر رؤية إنسانية للمكان. وينقلون قصص المجتمع المحلي وذكرياته وتفاصيل حياته. وبذلك، يتحول التراث من معلومات جامدة إلى تجربة شخصية. ويصبح الزائر شريكًا في الحوار بدلًا من أن يكون مجرد متلقٍ.

وخلال أسبوع افتتاح المعرض في باريس، شارك عدد من الرواة في برنامج «راوٍ مقيم». حيث قادوا جولات داخل المعرض وأتاحوا للزوار فرصة الاستماع المباشر إلى قصص العلا والتعرف إلى تقاليدها من خلال أصحابها أنفسهم.

نحو سياحة ثقافية أكثر إنسانية

يحمل مشروع الرواة ومبادرة «قصة بقصة» رؤية أوسع لمستقبل السياحة الثقافية، تقوم على وضع الإنسان في قلب التجربة. ففي عصر تتزايد فيه التجارب الرقمية والافتراضية، تبرز أهمية اللقاءات الإنسانية الحقيقية والقصص الشخصية بوصفها عناصر لا يمكن استبدالها بسهولة.

وتسعى الشراكة بين اليونسكو والهيئة الملكية لمحافظة العلا إلى تقديم نموذج يمكن الاستفادة منه في المتاحف والمؤسسات التراثية حول العالم. فالمتحف الحي ليس نموذجًا خاصًا بالعلا فقط، بل إطار عملي قابل للتطوير والتكييف وفق خصوصية المجتمعات والثقافات المختلفة.

التراث لغة مشتركة

يؤكد معرض «أنا راوي: مشاركة القصص – اكتشاف الثقافات» أن التراث لا ينتمي إلى الماضي وحده، بل يمكن أن يكون لغة مشتركة تساعد الناس على فهم بعضهم بعضًا.

فبين صور العلا المعروضة في باريس، لا يكتشف الزائر تاريخ مدينة قديمة فحسب، بل يلتقي أيضًا بأصوات بشرية تحمل ذكريات وتجارب ورؤى متنوعة. ومن خلال الرواة، تستعيد العلا قصصها وتقدمها للعالم بطريقة معاصرة، تجمع بين الأصالة والانفتاح.

إن نقل التراث الحي للعلا إلى مقر اليونسكو في باريس يمثل دعوة إلى الإصغاء، وإلى اكتشاف الآخر من خلال قصته. ففي عالم تتزايد فيه المسافات والانقسامات، تذكرنا العلا بأن كل رحلة يمكن أن تبدأ بحكاية، وأن كل حكاية قد تكون بداية لحوار جديد بين الثقافات.

الرابط المختصر :