“الرحلة الكبرى”.. فيلم مغربي يفكك شفرة الهوية وصراع الأجيال في رحلة حج ملحمية

"الرحلة الكبرى".. فيلم مغربي يفكك شفرة الهوية وصراع الأجيال في رحلة حج ملحمية
"الرحلة الكبرى".. فيلم مغربي يفكك شفرة الهوية وصراع الأجيال في رحلة حج ملحمية

في عمل فني ينهل من معين السيرة الذاتية للمخرج إسماعيل فروخي، يقدم الفيلم المغربي “الرحلة الكبرى” رؤية سينمائية عميقة تتجاوز مجرد الحكي لتمس قضايا الهوية والانتماء. الفيلم، الذي يضع شخصياته على خط رفيع بين الواقع والخيال، يمثل بصيص أمل في المشهد السينمائي المغربي الذي يسعى مبدعوه إلى ترسيخ هويتهم الوطنية والدينية، بعيدًا عن التأثيرات الغربية السلبية.

فيلم “الرحلة الكبرى”

يتناول “الرحلة الكبرى” العلاقة الشائكة والمعقدة بين الأب وابنه، مسلطًا الضوء على التباينات الثقافية والنفسية والدينية التي قد تشكل هوة بين جيلين. عنوان الفيلم نفسه يحمل دلالتين أساسيتين: دلالة الموت كرحلة كبرى نحو الآخرة، وهو ما يتجلى في النهاية الدرامية للفيلم بوفاة الأب، ودلالة روحية تشير إلى رحلة الحج، التي تمثل في السياق الإسلامي رحلة كبرى ذات بعد ديني عميق.

صراع الأجيال والهوية جوهر “الرحلة الكبرى”

يرتكز الفيلم على الصراع النفسي الداخلي بين الأب “مصطفى”، الذي يؤدي دوره الممثل المغربي محمد مجد، وابنه “رضا”، الذي يجسده الممثل الفرنسي نيكولاس كزال. هذا الصراع لا يقتصر على كونه مجرد خلاف بين أب وابنه، بل يمتد ليشمل صراعًا بين جيلين، ثقافتين، وهويتين مختلفتين. يحاول المخرج تصوير هذا الجدل الغامض عبر الحوارات المتوترة والصامتة على حد سواء، كاشفًا عن الهوة العميقة التي تفصل بين الطرفين.

تبدأ أحداث الفيلم بتأكيد غياب التواصل بين الأب والابن، وهو ما يتضح جليًا عندما يأمر الأب ابنه بمرافقته في رحلة الحج إلى مكة. رد فعل الابن الغاضب تجاه والدته بدلاً من والده، يشير إلى سلطة الأب في الأسرة المغربية، والتي قد تصل إلى حد التسلط المقنع كما يطرحه الفيلم.

رحلة العودة واستكشاف الذات والانتماء

كما تنطلق “الرحلة الكبرى” ليس فقط كرحلة جغرافية، بل كرحلة عودة للابن إلى أصله وهويته. وعودة للأب إلى ربه ومغادرته للحياة. هذه المعادلة الصعبة ترسم ملامح الشخصيات بواقعية مؤلمة ومثيرة. العودة هنا لا تحدث بشكل فوري، بل تتطور عبر مراحل تدريجية، يتم خلالها استئصال “الأورام الخبيثة” من نفسية الابن. فمن خلال مرافقته لأبيه طوال الرحلة التي قطعت ما يقارب 5 آلاف كيلومتر عبر عدة دول (فرنسا، إيطاليا، سلوفينيا، كرواتيا، صربيا، بلغاريا، تركيا، سوريا، الأردن، والسعودية)، يكتشف الابن عن كثب الشخصية الإنسانية المتزنة لأبيه، التي تحكمها القيم الدينية والاجتماعية المغربية، على الرغم من إقامة الأب لثلاثين عامًا في فرنسا.

الابن، رغم تمرده، ليس عاقًا؛ بل يعيش ازدواجية مؤلمة كونه يسكن فرنسا وتسكنه. تتضح مساوئها في هذه الرحلة. بتوجيه غير مباشر من الأب، يستخلص الابن العبر ويكتشف الحقيقة وراء رحلة والده. الذي يرمز إلى الأصل والجذر المتأصل في العراقة المغربية. الأب هنا لا يبدو متسلطًا، بل يؤدي دوره الطبيعي كأب وفقًا لأعراف وتقاليد مجتمعه الأصلي.

جماليات الصورة وبلاغة التفاصيل

بينما لم يشعر المشاهد بالملل رغم تركز الأحداث حول الشخصيتين الرئيسيتين. ويعود ذلك إلى التغيير الإيقاعي المتواتر للمشاهد والحالة النفسية للشخصيتين، التي تتغير بتجاوز كل ألفية من الرحلة. هكذا، نلاحظ أن المرحلة الأولى اتسمت بالصمت، تليها مرحلة التصادم. ثم استكشاف الآخر، لتنتهي بمرحلة التفاهم والتفهم.

كما برع المخرج في استخدام الدلالات الرمزية للصورة، فبشكل ذكي. تجنب المخرج التركيز على المناظر الطبيعية الخلابة للدول التي مرت بها الرحلة. مؤكدًا على أن “الرحلة دينية وليست سياحية”. هذا ما يتضح عندما يستغني الابن في النهاية عن آلة التصوير التي أحضرها لأخذ صور تذكارية. ليقتصر تصويره على المسجد التركي فقط.

بينما أبرز الفيلم صدق الأب في تمسكه بهويته، فبجانب لهجته المغربية التي يتحدث بها مع ابنه رغم عدم إتقان الأخير لها. يفاجأ المشاهد بإتقان الأب للغة الفرنسية عندما يتحدث بها في مخفر الشرطة بتركيا. ما يبرهن على أن تمسكه بلغته الأم ليس نابعًا من جهله بل من إدراكه لأهمية هويته.

لقطة تسليم جوازات السفر للجمارك التركية تحمل دلالة رمزية قوية: الجواز الأخضر للأب. يؤكد تشبثه بهويته المغربية رغم إقامته لثلاثين عامًا في فرنسا، بينما الجواز الأحمر لابنه يوضح جنسيته الفرنسية. كما تساهم هذه الإشارات الذكية في إيصال رؤية المخرج الفنية وإشراك المتلقي في فهم أبعادها.

إن “الرحلة الكبرى” ليست مجرد فيلم، بل هي حوار فني يتجسد فيه الصراع الوجداني وقوة الهوية. تاركًا بصمة عميقة في نفوس المشاهدين.

الرابط المختصر :