اتيكيتلايف ستايل

الراحة الذهنية.. معاهدة سلام مع الحياة

فنجان من القهوة الساخنة، يرسم مذاقها ملامح الصباح الباكر قبل تناول قطعة من الكعك المُحلى، لتسترق نظرة على الشمس المشرقة؛ استعدادًا للذهاب للعمل، أو البدء في المهام المنزلية الكثيرة التي تبدو أنها لا تنتهي؛ تلك هي الحياة الروتينية البسيطة التي قد تبغضها المرأة للحظات دون أن تفكر في ضرورة التمتع بالراحة الذهنية للاستمتاع بها.

لا تتردد المرأة سواء العاملة أو التي تفرغت لحياتها الأسرية في نشر السعادة لكل من حولها؛ فهي تعمل على قدمٍ وساق من أجل الآخرين في الوقت الذي لا تعلم أن عقلها الباطن يتعامل بدقة مع كل المشاعر التي تمر بها _ وإن كانت بشكل عابر _ دون أن تدرك ذلك.

عملية دقيقة لا تدركها

يعالج الدماغ عملية دقيقة للغاية؛ فهو يمتلك القدرة على تخزين كل المشاعر سلبية كانت أو إيجابية، وفي الوقت الذي تبدو فيه المرأة منخرطة في العمل أو المهام المنزلية؛ فهو على الجانب الآخر يعمل على إدراك طبيعة المواقف التي مرت بها خلال اليوم، الأمس، والماضي البعيد.

إن العملية التي تخوضها تروس العقل لا تندرج تحت فئة التفكير المفرط “over thinking”؛ فالإنسان لا يعرف أن في ذروة انشغاله بالعمل؛ يجد عقله واقفًا بالمرصاد لكل الذكريات والمشاعر التي يستجيب له جسده.

أمور لا إرادية

من جهتها، أكدت الدكتورة نانسي ستيفنز؛ الأستاذة في الصحة العقلية، أن إحدى وظائف الدماغ القوية تكمن في التعامل مع كل شيء تمر به المرأة بداية من الإفطار وصولًا إلى البرنامج التليفزيوني المفضل لها، قائلة: “إن هذا هو السبب الرئيس الذي يجعلها تشعر بحنين مجهول المصدر عندما تستمع إلى أغنية ما على سبيل المثال”.

أضافت: “الشعور بالراحة الذهنية لا يعتبر أمرًا إراديًا؛ إلا أنه من الأمور التي تحتاج إلى ممارسة وتدريب يومي ممنهج؛ فأنتِ لا تعلمين كيفية الاستجابة لكل المتغيرات من حولكِ؛ لكنكِ بالضرورة تعرفين أنه طالما أنتِ على قيد الحياة؛ فأنت ستواجهين الكثير من المواقف التي تلعب على عواطفك”.

وأوضحت الدكتورة إليزابيث: “في هذه الحالة _ أي في الوقت الذي تواجه فيه المرأة الكثير من المواقف العاطفية _ يجب أن تعرف كيفية التعبير عن عواطفها بشكل سليم؛ حتى تتخلص منها نهائيًا، ولا تتراكم يومًا تلو الآخر دون استجابة صريحة لها؛ وبالتالي ستجد نفسها يومًا من الأيام في مواجهة شرسة مع الذكريات وجهًا لوجه”.

الراحة الذهنية

الاستجابة للمشاعر

عند الشعور بالعواطف الجياشة، غالبًا ما يقول العلم إنه يجب الاستجابة بطريقة عملية تعتمد على التركيز على سبب المشاعر، وتوظيفها بشكل صحيح.

استأنفت الأستاذة في الصحة العقلية كلامها قائلة: “إن التركيز مع أسباب المشاعر قد يكون شيئًا مستبعدًا؛ خاصة في حالة الصدمة غير المتوقعة؛ لكن الحديث مع النفس وإخبارها بعدم التفكير في هذه المشاعر يعد أمرًا مهمًا وهو ما يفعله الكثيرون اعتقادًا منهم أنهم ينقذون ما تبقى من يومهم، أو ما تبقى من عمرهم حتى؛ إلا أنهم يقومون بكتمان الحقيقة وتخزين المشاعر؛ ما يسبب نتائج سيئة على الصحة العامة”.

وأضافت: “وفي الوقت ذاته، يلجأ الكثير من الأشخاص إلى التعامل مع المشاعر بطريقة أسوأ؛ وذلك عن طريق التعبير عنها بالصراخ، أو إغلاق الأبواب بعنف؛ وهو ما يترك تأثيرًا سلبيًا على النفس، وقد يؤثر على كل المحيطين بالشخص المنجرف وراء انفعالاته”.

أكدت الدكتورة إليزابيث على ضرورة الاستجابة والاستسلام كليًا للمشاعر وقت حدوثها، قائلة: “بدلًا من الغضب أو تأجيل المشاعر وتخزينها عن طريق إنكارها، يجب أن تتفاعل المرأة على وجه الخصوص مع كل شيء واستيعاب مشاعرها دون خوف؛ حتى يمكنها الاستمتاع بروتينها المعتاد بأمان”.

اقرأ أيضًا.. مدينة حقل.. لؤلؤة تبوك

حالة هروب

عندما نفشل في التعبير عن مشاعرنا، يمكن للدماغ أن يدخل في حالة قتال أو هروب؛ وهذا هو رد فعل جسدي على الإجهاد الذي يطلق سلسلة من الأحداث في جميع أنحاء أجسادنا؛ ما يزيد من معدل ضربات القلب ويبطئ وظائف الجهاز الهضمي ويجعلنا نشعر بالقلق أو الاكتئاب، ويؤثر على الراحة الذهنية في كل المواقف التي يمكن أن نتعرض لها.

وأوضحت: “عند استيعاب المشاعر بطريقة سليمة؛ فإن ذلك يساعد في رؤية المشاكل من منظور جديد؛ ما يجعل اتخاذ القرار أسهل، بينما يتخلص من قوة الشعور السلبي، والتقليل من القلق، والقضاء على احتمالية الإصابة بالاكتئاب، وبالتالي الحصول على الراحة الذهنية المنشودة الكفيلة للعيش بسلام”.

الهدوء والقلق الغائب

بدوره قال الأستاذ إدريس إبراهيم؛ الممارس لعلم نفس الأعمال، في تصريحات خاصة لـ “الجوهرة”، إن التجربة العملية، أكدت أنه غالبًا ما نحمل معنا الاستياء والضغوط والمدخلات المختلفة التي نمر بها إلى العمل أو ينعكس ذلك على الأسرة بشكل ما، وهنا نجد أنفسنا محاطين بالعديد من الأمور السلبية التي تسلبنا الإرادة القوية، والراحة الذهنية.

وأضاف: “يمكن تعريف الراحة الذهنية بأنها حالة من الهدوء والقلق الغائب في لحظة معينة، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الانتباه، والحضور الواعي في العمل، لقد لاحظت أنه عندما أكون هادئًا؛ فإنني أقوم بالعديد من الإنجازات، وهذا ما يتضح من خلال تعاملي مع الكثير من الموظفين والموظفات على وجه الخصوص، علمًا بأن معدل استجابة المرأة للمتغيرات تعتبر أكبر من الرجل في الكثير من الحالات”.

تعامل المرأة مع العواطف

واستطرد قائلًا: “لكننا لا نغفل الوجود القوي للمرأة في العمل؛ حيث يمكنها تحمل الكثير من أجل تطوير ذاتها، وإثبات قدراتها؛ لكن هذا كله بطريقة ما يصل إلى عقلها الباطن الذي يتعامل مع كل الضغوط دون إدراكها”.

وأكد: “وبالنسبة للتمتع بالراحة الذهنية، يمكن اتباع عدد من الخطوات التي أجدها مفيدة في العمل؛ وهي: احتضان النزاهة العاطفية والاعتراف بالمشاعر، والتحكم في مجريات اليوم من البداية مع الأخذ في الاعتبار العوامل المفاجئة والتحكم فيها، إضافة إلى تحدي الجمود العاطفي؛ فنحن من بني البشر ومحاولة أن نكون على قدر من المثالية تعتبر فاشلة؛ لذا يجب التعامل مع كل الأمور واستغلال كل الطاقة الموجودة بداخلك للتخلص من المشاعر القوية التي تسيطر عليك، سواء إيجابية وذلك عن طريق إظهارها والتعبير عنها، أو سلبية عن طريق الانفتاح على تجربة جديدة وأفكار متنوعة”.

واختتم الممارس في علم نفس الأعمال كلامه قائلًا: “كن على استعداد للاعتراف بأخطائك وتبني أخطاء الآخرين، وكن متواضعًا للترحيب بطرق جديدة لحل المشكلات، ولا تخف من إظهار دموعك يومًا ما فهي ليست دليلًا على الضعف؛ بل هي الإثبات على التصالح مع الذات، واعرف قيمة الراحة الذهنية التي تضمن لك التمتع بروتين عملي قد يكون هو سبيلك للتخلص من السلبية، وكن في سلام مع نفسك أولًا”.

اقرأ أيضًا.. المودة الزائدة.. سلاح يقضي على راحتك النفسية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق