عندما ظهر النايلون لأول مرة في الوعي العام عام 1938، ادّعى امتلاكه ميزة فريدة لم يضاهيها أي منتج آخر. كان سلفه، الرايون، يوصف بأنه “حرير صناعي“، وهو مصطلح يوحي بالاقتصاد والتقليد.
لكن شركة دوبونت، المصنّعة للنايلون، روّجت له كشيء فريد من نوعه. وباعتباره أول ألياف صناعية قابلة للتسويق تجاريًا، أحدث النايلون ثورة في عالم الموضة قائمة على الراحة والسهولة وإمكانية التخلص منه.
وقد ساهمت قوته ومرونته وخفة وزنه ومقاومته للعفن في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وفي الخفاء، أحدث اختراع النايلون تحولًا جذريًا في الصناعة الكيميائية. إذ أثبت إمكانية التنبؤ بتركيب البوليمرات وهندستها، تمامًا كما هو الحال مع العديد من المنتجات الكيميائية الأخرى.
واليوم، نجد النايلون في كل مكان حولنا، بدءًا من فرش الأسنان والسجاد، مرورًا بأوتار المضارب والغيتار. وصولًا إلى الخيوط الجراحية وقطع غيار السيارات، وبالطبع الجوارب.

اكتشاف خالص
بدأت شركة إي إل دو بونت دي نيمور وشركاه أولى مشاريعها في مجال الألياف الاصطناعية عام 1920. عندما استحوذت على حصة 60% في شركة كومبتوار دي تيكستايلز أرتيفيسيل. وهي شركة فرنسية متخصصة في الحرير الصناعي، مقابل 4 ملايين دولار.
وأصبحت الشركة المندمجة، التي سميت شركة دوبونت للألياف، فيما بعد قسم الحرير الصناعي في شركة دوبونت. ورغم أن الحرير الصناعي لاقى رواجًا وربحية، إلا أن الشركة أنفقت موارد كبيرة لتحسين ملمس وأداء هذه الألياف الهشة. ففي عام 1934 وحده، أنفقت الشركة مليون دولار على أبحاث الحرير الصناعي.
في ديسمبر 1926، عمّم تشارلز إم. إيه. ستاين، مدير قسم الكيمياء في شركة دوبونت، مذكرةً على اللجنة التنفيذية للشركة. أشار فيها إلى أن اللجنة تبحث عن الابتكار في غير موضعه. فبدلًا من الاستثمار في البحوث التطبيقية المتعلقة مباشرةً بمنتجات موجودة كالحرير الصناعي أو الأمونيا، جادل ستاين بأن على دوبونت تمويل “الأبحاث العلمية البحتة”.

ويركز هذا العمل على “هدف إثبات أو اكتشاف حقائق علمية جديدة” بدلًا من البحوث التي “تطبق حقائق علمية راسخة على مشاكل عملية”. لم يكن اقتراح ستاين جديدًا على الصناعة – فقد شغّلت كل من جنرال إلكتريك وبيل تيليفون مختبرات أبحاث صناعية -. لكن إصراره على أن يكون البحث “بحتًا” أو “أساسيًا” كان فكرةً جذريةً إلى حد ما بالنسبة لشركة تركز على الأرباح.
ومع ذلك، وافقت اللجنة التنفيذية على نسخة معدلة قليلًا من اقتراح ستاين في مارس 1927. منح ستاين 25,000 دولار شهريًا للبحوث. وطلب منه توظيف 25 من أفضل الكيميائيين الذين يستطيع إيجادهم. لما وافقت اللجنة على تمويل بناء مختبر جديد سرعان ما أطلق عليه كيميائيو شركة دوبونت اسم “قاعة النقاء”.
بداية أبحاث البلمرة في دوبونت
وفد واجه ستاين صعوبة أكبر بكثير مما توقع في استقطاب الكيميائيين إلى شركة دوبونت. ويعود ذلك في معظمه إلى شكوك العلماء الأكاديميين حول إمكانية السماح لهم بإجراء أبحاث نظرية في بيئة صناعية.
لكن بعد عام، حقق نجاحًا باهرًا عندما أقنع والاس إتش. كاروثرز، المحاضر الشاب في الكيمياء العضوية بجامعة هارفارد، بالانضمام إلى دوبونت. اقترح كاروثرز أن يركز بحثه على البلمرة، وهي العملية التي تتحد فيها جزيئات قصيرة منفردة لتكوين جزيئات ضخمة طويلة السلسلة.

قبل عمل كاروثرز الرائد، كان معظم الكيميائيين يعتمدون في بوليمراتهم على “وصفات” معقدة تحددها الصدفة إلى حد كبير. علاوة على ذلك، لم تكن طبيعة البوليمرات مفهومة جيدًا، حيث كان بعض الباحثين مقتنعين بأن الراتنجات اللزجة تمثل أنظمة غروانية معقدة.
بينما دافع آخرون عن نظرية الجزيئات طويلة السلسلة التي طرحها في الأصل الكيميائي الألماني هيرمان شتاودينغر. كان كاروثرز يأمل في تقديم دليل قاطع على نظرية شتاودينغر من خلال بناء بوليمرات من جزيئات عضوية صغيرة ذات تفاعلية معروفة عند طرفيها.
وكان نجاح كاروثرز شبه فوري. ففي أبريل 1930، أنتج جوليان دبليو هيل، الباحث المشارك في مجموعة كاروثرز، بوليمرًا طويلًا من الإستر بوزن جزيئي يزيد عن 12000. وذلك بدمج كحول ثنائي وحمض ثنائي – وكان هذا أول “بوليستر”.
وتميزت ألياف البوليستر التي ابتكرها هيل بخاصية فريدة: فعند تبريدها، يمكن سحب الخيوط الرقيقة والهشة إلى خيط مرن يصل طوله إلى أربعة أضعاف طوله الأصلي. إلا أن باحثي دوبونت سرعان ما أدركوا أن هذا البوليستر الأول لن ينجح أبدًا كألياف تجارية. لأن انخفاض درجة انصهاره جعل غسله وكيه غير عمليين.
بداية الإنتاج الصناعي للنايلون
وعلى مدى السنوات الأربع التالية، تعثرت محاولات إنتاج ألياف اصطناعية قابلة للتسويق تجاريًا بسبب مشكلتين رئيسيتين: انخفاض درجة انصهارها وذوبانها العالي في الماء. في عام 1934، حثّ إلمر بولتون، المدير الكيميائي الجديد في شركة دوبونت، كاروثرز على العودة إلى هذه المشكلة.
وقد وافق “كاروثرز”، لكنه هذه المرة سيركز على البولي أميدات بدلًا من البوليسترات. في 24 مايو 1934، نجح دونالد د. كوفمان، أحد أعضاء فريقه البحثي، في سحب ليف من بوليمر قائم على أمينو إيثيل إستر.
احتفظ ليفه – الذي أصبح فيما بعد أول نايلون – بالخصائص المرنة المذهلة للبوليسترات، لكنه تجنّب عيوبها. مع ذلك، ونظرًا لصعوبة إنتاج المادة الوسيطة المستخدمة في تكوين البوليمر، وهي أمينونونانويك إستر، واصل كاروثرز وزملاؤه البحث.
في غضون عام، حصر باحثو كاروثرز الستة الخيارات في احتمالين: البولي أميد 5،10، المصنوع من خماسي ميثيلين ديامين وحمض السيباسيك؛ والبولي أميد 6،6، المصنوع من سداسي ميثيلين ديامين وحمض الأديبيك.(تسمى الجزيئات نسبةً إلى عدد ذرات الكربون في المواد الأولية).
فضّل كاروثرز البولي أميد 5،10، لكن بولتون أصرّ على البولي أميد 6،6 لأن المواد الوسيطة يمكن تحضيرها بسهولة أكبر من البنزين، وهي مادة أولية متوفرة بكثرة مشتقة من قطران الفحم. ومع تدهور صحة كاروثرز العقلية الذي جعله يتغيب عن المختبر بشكل متزايد، ساد اختيار بولتون، وانصبّ التركيز على تحسين ألياف البولي أميد 6،6.
وتذكر جوزيف لابوفسكي؛ مهندس كيميائي كان يعمل فنيًا في المختبر، لاحقًا أن العاملين في المختبر كانوا يُوسّعون إنتاج الألياف 6,6 “من أونصة واحدة إلى رطل واحد، ثم رطلين، ثم 50 رطلًا، ثم 250 رطلًا، وأخيرًا إلى 2000 رطل”. ساعد بول فلوري؛ الكيميائي الفيزيائي الشاب الذي فاز لاحقًا بجائزة نوبل في الكيمياء لأبحاثه في مجال البوليمرات، الباحثين على تثبيت التفاعل من خلال تطوير نموذج رياضي لحركية تفاعل البلمرة.
وفي عام 1938، بدأت شركة دوبونت ببناء مصنع لإنتاج النايلون في سيفورد، بولاية ديلاوير، والذي كان قادرًا على إنتاج ما يصل إلى 12 مليون رطل من الألياف الاصطناعية سنويًا. لقد حان الوقت لتقديم النايلون للجمهور الأمريكي.
في السوق
وبفضل خصائص النايلون، أصبح مادة مثالية للعديد من الاستخدامات، لكن شركة دوبونت قررت منذ البداية التركيز على سوق واحد: الجوارب النسائية الكاملة. ومع استمرار ارتفاع أطوال الفساتين خلال ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت جوارب الحرير والرايون جزءً لا يتجزأ من خزانة كل امرأة.
وقد اشترت النساء الأمريكيات ما معدله ثمانية أزواج من الجوارب سنويًا، مما درّ على منتجي الحرير اليابانيين أكثر من 70 مليون دولار سنويًا. لم تكن دوبونت تنوي إنتاج الجوارب مباشرة، بل كانت ستزود المصانع بخيوط النايلون التي ستقوم بحياكة الجوارب وبيعها.
قبل أن تتمكن شركة دوبونت من طرح أليافها الجديدة المعجزة للجمهور، كان على قادتها تحديد اسمها. فقد كان الباحثون الداخليون يشيرون إلى ما سيصبح لاحقًا النايلون بأسماء مختلفة، منها رايون 66، وفايبر 66، أو “دوبارون”، وهو اختصار مبتكر لعبارة “دوبونت تستخرج أرنبًا من النيتروجين/الطبيعة/الفوهة/النافثا”.
وفي عام 1938، ومن خلال عملية اتخاذ قرار لا تزال غامضة إلى حد ما، استقرت الشركة على كلمة “نايلون“. ووفقًا لإرنست جلادينج؛ مدير قسم النايلون عام 1941، كان الاسم في الأصل “نورون”، الذي لم يكن يوحي فقط بالابتكار، بل كان أيضًا تهجئة ذكية لعبارة “لا تمزق” معكوسة.
ولسوء الحظ، تسببت كلمة “نورون” وكلمات أخرى وثيقة الصلة بها في نزاعات تتعلق بالعلامات التجارية، لذا اقترح القسم اسم “نايلون”. وبتغيير حرف “i” إلى ” y ” ، تم التخلص من أي لبس حول النطق، وهكذا ولد اسم “نايلون”. ثم قررت الشركة عدم تسجيل الاسم كعلامة تجارية، على أمل تشجيع المستهلكين على التفكير في النايلون كمادة عامة موجودة مسبقًا، مثل الخشب أو الزجاج.

من الترقب إلى النجاح التجاري
ومنذ عام 1931، حين قدم كاروثرز تقريره الأول عن ألياف البوليستر في اجتماع الجمعية الكيميائية الأمريكية، انتشرت شائعات في الصحف تفيد بأن شركة دوبونت قد طورت أليافًا جديدة تضاهي الحرير أو تفوقه جودةً.
وبحلول أوائل عام 1938، كانت الصحافة تنشر باستمرار مقالات تشير إلى أن الجوارب المصنوعة من هذه الألياف الغامضة ستدوم أطول من الحرير ولن تتمزق أبدًا. وإذا كان مسؤولو دوبونت قد بدأوا يشعرون بالقلق إزاء التوقعات غير الواقعية، فقد ازداد قلقهم في سبتمبر 1938 عندما نشرت صحيفة واشنطن نيوز تقريرًا يستند إلى براءة الاختراع الصادرة حديثًا.
وزعم المقال أنه يمكن تحضير النايلون من الكادافيرين، وهي مادة تتكون أثناء تحلل الجثث. وعندما اقترن ذلك بتقارير انتحار كاروثرز في وقت سابق من ذلك العام، اتخذت تغطية النايلون منحىً كئيبًا بشكل غريب. ولعل لمواجهة هذه الشائعات، شدد قسم العلاقات العامة في دوبونت لسنوات عديدة لاحقة على أن النايلون يستخلص حصريًا من الفحم والهواء والماء.

وقد استعادت شركة دوبونت زمام الدعاية للنايلون في 27 أكتوبر 1938، عندما قدمت الجوارب رسميًا لحشدٍ من 4000 امرأة من الطبقة المتوسطة المتحمسة في الموقع المستقبلي لمعرض نيويورك العالمي. ولكن بينما كان الحماس يتزايد، لم تطرح الجوارب تجاريًا إلا بعد 18 شهرًا. في ذلك الوقت، كانت النساء الوحيدات اللواتي يمكنهن تجربة الجوارب بشكل مباشر إما عاملات في دوبونت أو متزوجات من علماء دوبونت في قسم النايلون.
وطرحت كمية محدودة من الأزواج الأولى للبيع في ويلمنجتون، ديلاوير، في أكتوبر 1939، لكن الجوارب لم تصل إلى السوق الوطنية حتى 15 مايو 1940. عرضت بسعر 1.15 دولارًا للزوج، ونفدت الكمية في معظم المتاجر بحلول الظهر.
وفي عام 1940، أنتجت دوبونت 2.6 مليون رطل من النايلون، محققةً مبيعات إجمالية قدرها 9 ملايين دولار. وفي العام التالي، باعت الشركة خيوط نايلون بقيمة 25 مليون دولار. في غضون عامين من طرح النايلون، استحوذت شركة دوبونت على نسبة مذهلة بلغت 30% من سوق الجوارب الجاهزة.
النايلون في خدمة المجهود الحربي
ولم يدم تمتع النساء الأمريكيات بحرية الوصول إلى جوارب النايلون طويلًا. ففي نوفمبر 1941، حوّلت شركة دوبونت إنتاجها من النايلون من الاستهلاك إلى الإنتاج العسكري كبديل للحرير الياباني: ففي عام 1940، كان 90% من نايلون دوبونت يستخدم في صناعة الجوارب. ولكن بحلول عام 1942، استخدم النايلون بالكامل تقريبًا في صناعة المظلات وأسلاك الإطارات.
لاحقًا، استخدم النايلون في حبال سحب الطائرات الشراعية، وخزانات وقود الطائرات، والسترات الواقية من الرصاص، وأربطة الأحذية، وشبكات البعوض، والأراجيح. ونظرًا للطلب الاستهلاكي الهائل، شقّ النايلون طريقه حتمًا إلى السوق السوداء؛ حيث جنى أحد رواد الأعمال 100 ألف دولار من جوارب مصنّعة من شحنة نايلون محوّلة.

وعادت شركة دوبونت إلى إنتاج النايلون الاستهلاكي فور انتهاء الحرب تقريبًا. حيث عادت أولى أزواج الجوارب إلى المتاجر في سبتمبر 1945. وحيثما ظهرت الجوارب، تناقلت الصحف أخبارًا عن “اضطرابات النايلون” التي شهدت اصطفاف مئات، بل آلاف النساء أحيانًا، للتنافس على كمية محدودة من الجوارب.
ولعلّ أبرز مثال على ذلك ما حدث في بيتسبرغ في يونيو 1946، عندما اصطف 40 ألف شخص لأكثر من ميل للتنافس على 13 ألف زوج من جوارب النايلون. ويتذكر لابوفسكي أن الطلب ظل مرتفعًا للغاية طوال فترة الأربعينيات. لدرجة أن دوبونت اشترطت على جميع عملائها، بغض النظر عن حجم حساباتهم أو سمعتها، الدفع مقدمًا: “كان الطلب هائلًا . كان علينا التأكد من أن العملاء الذين يرغبون في شراء النايلون يملكون المال الكافي للدفع… حتى شركة بيرلينغتون ميلز كانت ترسل شيكًا بقيمة 100 ألف دولار لتلبية طلب… الجميع كان يريد النايلون.” جزئيًا لتلبية الطلب وجزئيًا لتجنب دعوى مكافحة الاحتكار، قامت شركة دوبونت أخيراً بترخيص النايلون للمنتجين الخارجيين في عام 1951.
دائمًا في عالم الموضة
لم تكن جوارب النايلون سوى بداية ثورة في عالم الموضة. فقد وعدت الألياف الاصطناعية الرخيصة والملونة بمستقبل سهل العناية. سهل الغسل والارتداء، وقابل للاستخدام لمرة واحدة.
وبحلول خمسينيات القرن الماضي، أصبح النايلون وغيره من الألياف الاصطناعية يستخدم في الملابس الداخلية، والجوارب، والتنانير الداخلية. ومعاطف الفرو الصناعي، وأطقم الكنزات الصوفية، وحتى بدلات الرجال التي تجف بسرعة.

وقد أحدثت الأقمشة الاصطناعية تحولًا جذريًا في أزياء النساء. حيث ساهمت مشدات الليكرا الجديدة – الأكثر راحة وخفة من المشدات المطاطية التقليدية – في إبراز قوام المرأة بشكل جذاب. مما أتاح لها ارتداء أمتار وأمتار من الأقمشة الاصطناعية الفضفاضة.
ونظرًا لأن تنوع الألياف الاصطناعية كان يقتصر أساسًا على الفسكوز (الرايون)، والأسيتات، والبوليستر، والبولي أميدات. أدرك المصنّعون مبكرًا أن مفتاح نجاحهم يكمن في تسويق منتجاتهم بشكل فريد.

وسرعان ما انضم إلى نايلون دوبونت العام في السوق كل من بري-نايلون، وداكرون (بوليستر). وتيريلين (بوليستر)، وكريمبلين (بوليستر)، وأورلون (أكريليك)، وأكريلان (أكريليك)، وتريسيل (أسيتات)، وعشرات الأنواع الأخرى.
ثم أطلقت كل شركة من الشركات الكيميائية المصنّعة لهذه المنتجات حملات إعلانية واسعة النطاق. تهدف إلى كسب ولاء المستهلكين للأقمشة ذات العلامات التجارية بدلًا من التركيز على صيحات الموضة الموسمية.

تسويق النايلون عبر دور الأزياء
طوّرت شركة دوبونت نهجًا متطورًا للغاية لتسويق أليافها الاصطناعية. فمنذ بدايات إنتاجها للرايون، أدركت دوبونت أنها إذا أرادت الاستحواذ على سوق المنسوجات، فعليها أن تكسب قلوب مصممي الأزياء الباريسيين. عمل قسم تطوير الأقمشة في الشركة، الذي تأسس عام 1926، مع المصممين لإنتاج عينات من الأقمشة لمصانع النسيج ومصنعي الملابس.
وبحلول منتصف الخمسينيات، كان القسم ينتج ما يزيد عن ألف عينة قماش سنويًا. ثم حاول مندوبو مبيعات دوبونت التأثير على مصممي الأزياء من خلال تزويدهم بعينات وفيرة ودعاية مجانية. وحققوا أول نجاح باهر لهم في عروض أزياء باريس عام 1955، حيث ظهرت 14 قطعة على الأقل من الأقمشة الاصطناعية المصنوعة من ألياف دوبونت في فساتين من تصميم كوكو شانيل، وجان باتو، وكريستيان ديور.

ولإضفاء مزيد من البريق، استعانت دوبونت بمصور الأزياء هورست ب. هورست لتوثيق أعمال المصممين. ثم نشرت الصور في بيانات صحفية في جميع أنحاء البلاد.
إلى جانب الأزياء الراقية من شانيل وديور وباتو، تضمنت صور هورست فساتين من تصميم مدام غريس، وماغي روف. ولافين كاستيلو، ونينا ريتشي، وإيمانويل أونغارو، وفيليب فينيت، وبيير كاردان. ومجموعة نيويورك للأزياء الراقية، جميعها مصنوعة من أقمشة دوبونت.

بعد عقد من الزمن، تبنى مصمما الأزياء الرائدان في الستينيات، بيير كاردان وأندريه كورريج. الطابع المستقبلي للأقمشة الاصطناعية باعتباره المظهر الأمثل لحياة عصر الفضاء.
بين التراجع والاستمرار
وبحلول أواخر الستينيات، انتقلت الألياف الاصطناعية من منصات عروض الأزياء إلى الأسواق الجماهيرية، وهنا بدأت نهايتها. فبعد أن عانت من كثرة استخدامها، بدت النايلون والبوليستر فجأةً قديمة الطراز، وبدأ بريقها اللامع يفقد جاذبيته. وفي أعقاب كتاب ” الربيع الصامت ” لراشيل كارسون (1962) وتنامي الحركة البيئية، اتجه المستهلكون نحو الألياف الطبيعية، وخاصة القطن والصوف.
وفي عام 1965، شكلت الألياف الاصطناعية 63% من إنتاج المنسوجات العالمي؛ وبحلول أوائل السبعينيات، انخفض هذا الرقم إلى 45%. ورغم أن الألياف الاصطناعية استعادت بعضًا من شعبيتها في التسعينيات مع تحسين الابتكارات التقنية لملمسها وأدائها. إلا أنها لم تعد تهيمن على السوق كما فعلت في الخمسينيات والستينيات.

ومع ذلك، سيبقى النايلون موجودًا. قد لا نرتديه بكثرة هذه الأيام، لكنه يحيط بنا بشكل أو بآخر في منازلنا ومكاتبنا وأنشطتنا الترفيهية ووسائل النقل. لقد أحدثت ثورة البوليمرات التي بدأها اكتشاف النايلون عالمًا من البلاستيك لم يكن ليتعرف عليه جيل أجدادنا.
وينتج المصنعون اليوم في جميع أنحاء العالم نحو 8 ملايين رطل من النايلون، ما يمثل حوالي 12% من جميع الألياف الاصطناعية. قد لا يكون النايلون المنتج الأكثر ربحية لشركة دوبونت، لكنه يبقى أحد أهم اختراعاتها.





















