يعد الفنان التشكيلي السعودي طه الصبان أحد أبرز قامات جيل الرواد الذين ساهموا في تشكيل ملامح الفن التشكيلي المعاصر في المملكة العربية السعودية.
على مدى عقود من العطاء، لم يكن الصبان مجرد رسام ينقل الواقع. بل كان مؤرخًا بصريًا ومؤسسًا للحركة الفنية، حيث نجح في دمج الهوية الحجازية الأصيلة والموروث الشعبي بأدوات تعبيرية حديثة، ليفوز في عام 2024 بجائزة الفنون البصرية المرموقة ضمن مبادرة الجوائز الثقافية الوطنية.
النشأة والبدايات.. من مكة إلى أفق العالمية
ولد طه محمد صالح الصبان في مكة المكرمة عام 1948م، ونشأ في بيئة غنية بالتفاصيل التراثية والروحانية التي تركت أثرًا عميقًا في وجدانه الفني. بدأت ملامح موهبته تتشكل مبكرًا، ليرى النور أول معرض يشارك فيه بمركز الفنون الجميلة بجدة عام 1967م.
ولم تقف طموحات الصبان عند الحدود المحلية؛ بل انطلق ليمثل المملكة في المحافل الدولية منذ مطلع السبعينيات. مشاركًا في بينالي إيطاليا الدولي عام 1970م، ومقيمًا معارضه الشخصية الأولى في بريطانيا (كولشيستر 1975م، وجلاسكو 1976م)، ما صقل تجربته وأكسبها بعدًا عالميًا مبكرًا.
يقول طه صبان: “على الرغم من أنني مدرك تمام الإدراك لمرور الوقت، فإن هدفي ليس الحنين إلى الماضي، بل أسعى لالتقاط اللحظة واكتشاف الحياة في العالم”.
الريادة المؤسسية وبناء مجتمع الفن
إلى جانب تميزه بفرشاته، لعب الصبان دورًا محوريًا كقائد ومؤسس في البنية التحتية للفن السعودي. وتتجلى مساهماته الإدارية والتنظيمية في محطات عدة أبرزها:
- تأسيس بيت التشكيليين: كان عضوًا مؤسسًا لبيت التشكيليين بجدة (1992-1994م) وأول رئيس له، وهو الكيان الذي احتضن جيل الشباب ودعم الحراك الفني.
- إدارة الجمعيات الفنية: تولى رئاسة قسم الفنون التشكيلية في الجمعية السعودية للثقافة والفنون عام 1992م، وعضوية مجلس إدارتها عام 2006م.
- الاستشارات الثقافية: قدم خبراته الفنية كنائب لرئيس اللجنة الاستشارية الفنية لأمانة محافظة جدة، وعضو اللجنة الفنية لأمانة مكة المكرمة.
وامتدت روابطه الإقليمية ليكون عضوًا في الجمعية المصرية للتصوير، ونقابة الفنانين بحمص في سوريا، وجمعية “أصالة” بالقاهرة، بالإضافة إلى مشاركته الدائمة في لجان التحكيم للمعارض الكبرى.
الهوية الفنية والموضوعات
تتمحور لوحات الصبان حول ثلاث ركائز أساسية: المجتمع والحياة اليومية، الحفاظ على التراث، وسحر البحر. وتمتاز أعماله بالديناميكية، وحركة الشخوص، والجرأة في استخدام الألوان التي تعكس حيوية الحارات الشعبية والبيئة السعودية.
وقد تجسد هذا الفكر في العديد من الجداريات والنصب التذكارية بمدينة جدة بالتعاون مع قامات فنية كبرى، مثل: الفنان السعودي عبد الحليم رضوي، والفنان العالمي المصري عبد السلام عيد.
المعارض والمقتنيات.. الفن في المساحات العامة
أقام الصبان أكثر من 15 معرضًا شخصيًا طوال مسيرته، من أبرزها معرض “ستينيات الصبان” عام 2011م، ومعرض “وجدان” بالرياض عام 2018م. كما وظف فنه لخدمة الإنسانية عبر معارض ريعية لصالح مرضى السرطان وجمعية الوداد الخيرية.
تتوزع مقتنيات الصبان الفنية في أماكن إستراتيجية وحيوية تجعلها قريبة من الجمهور، ومنها:
- الموانئ الجوية الرئيسة: مطار الملك عبد العزيز بجدة، مطار الملك خالد بالرياض، ومطار الملك فهد بالظهران.
- المؤسسات الكبرى: شركة أرامكو السعودية، ومتحف العالم العربي في باريس، ومتحف الشارقة، ومركز دراسات الوحدة العربية في لبنان.
سجل حافل بالجوائز والتكريمات
توجت مسيرة الصبان الطويلة بتقدير محلي ودولي واسع، حيث يزخر سجله بالعديد من الجوائز، من أهمها:
- جائزة الفنون البصرية (2024) من مبادرة الجوائز الثقافية الوطنية.
- المركز الأول في جائزة مسابقة سوق عكاظ (2009).
- الجائزة الأولى بمعرض الفن السعودي المعاصر بالرياض (2006).
- جائزة السعفة الذهبية في مسقط (2006).
- الجائزة الكبرى لمهرجان الجنادرية 14 (1999).
- جوائز عربية منها: جائزة التحكيم ببينالي المحبة في سوريا، والجائزة الأولى في معرض 25 فبراير بالكويت.

توثيق المسيرة
نظرًا للأثر البالغ لتجربته، صدرت عدة مؤلفات وكتب نقدية توثق مسيرته الفنية وتحلل أسلوبه. ومنها كتاب “طه صبان.. ملامح من المشوار” (2001م)، وكتاب “فن طه الصبان” (2007م)، وكتاب “طه الصبّان.. حياته وفنه” للكاتب خير الله زربان الصادر عام 2018م.
أخيرًا، يبقى طه الصبان علامة فارقة في تاريخ الفن التشكيلي الخليجي، وفنان نجح في جعل اللوحة جسر يربط بين أصالة الماضي وديناميكية الحاضر.



















