كتبت – صبحة بغورة
ضفائر الشعر، تشابك خصلات الشعر بين الأنامل تجدل بشغف لتشكل إرثًا إنسانيًا محملًا بالرموز والمعاني شمل كافة القارات والحضارات كل منها أضفت لها لمستها وروحها الخاصة للتفرد بها.
وقد اعتبرت لغة مرئية يتم التعبير من خلالها عن الهوية والمكانة والانتماء والتمسك بالتقاليد وتم توارثها عبر الأجيال والتفنن في جدلها لتلاقي رواجًا ومكانًا مميزًا في عالم الموضة .


ما هي الجدائل؟
الجدائل هي خصلات مضفورة تحتضن برفق بين انحناءاتها ذكريات عتيقة من التاريخ و الحضارة وتجسيد للاعتزاز بالهوية ، استخدمتها الشعوب القديمة كوسيلة للتعبير عن الانتماء القبلي والحالة أو المرتبة الاجتماعية في القبيلة.
رجحت أكثر الدراسات والأبحاث بداية انتشار الضفيرة من إفريقيا؛ مثل: قبائل الهيمبا في ناميبيا تطبق خلطات من الزيوت لتشكيل ضفائر مميزة ترمز للانتقال في السن يثبت عليها خرز مختلف الألوان والأشكال وتجدل في جلسات جماعية تعزز الروابط بين الأفراد.
وكانت تمثل أداة تواصل وتعريف بالذات. كذلك كانت ضفائر الشعر تختلف في شكلها ونمطها وطريقة جدولتها لتتعرف كل قبيلة على الأخرى. حتى في فترات العبودية كانت النساء تخفين الحبوب في ضفائرهن أو ترسم بها مسارات للهروب. ما جعل منها رمزًا للمقاومة والنباهة والفطنة.
ضفائر الشعر في مصر الفرعونية
أما في مصر الفرعونية، وجدت هذه التسريحة على مومياء عمرها 5600 سنة، فكانت دليلًا على الأناقة وعلو المقام و مرآة للروح. إذ اعتاد الملوك والنبلاء والكهنة وذوي الطبقة الرفيعة رجالًا ونساءً على تجديل الشعر بدقة ويزين بالخرز الذهبي والمجوهرات والأحجار الكريمة مع تطبيق العطور والزيوت عالية الجودة.
وقد عرف بعد ذلك الشعر المستعار المضفور المصنوع من شعر بشري أو خيوط نباتية منسوج بعناية ويصفف حسب المناسبة سواء كانت احتفالية، دينية، أو جنازة معينة. وقد عثر حديثا على نماذج دالة في المقابر محتفظة بجمالها وجدولتها.




ضفائر الشعر عند الرجال في ثقافة العرب البدو
في ثقافة العرب البدو، كانت ضفائر الشعر عند الرجال تتميز بطولها والعناية في تضفيرها على جانبي الرأس أو خلفه كرمز للقوة والعزوة لاسيما في فترات الفروسية والحروب في الحجاز، ونجد قديمًا على وجه الخصوص.
كما جاءت كدليل في بعض القبائل على مرتبة الفارس أو المحارب و تنطق بشجاعته ومشاركته في المعارك. كما اعتبرت امتدادًا لثبات شخصيته وأصالته؛ فيحرص أن تكون جدائله مرتبة و متينة لتعبر عن ذاته.


الجدائل في اليونان.. مكانة خاصة
في اليونان قديما، امتلكت الجدائل مكانة خاصة كرمز للأنوثة والقوة. وتفننت النساء في تصفيفها في أشكال متداخلة ملتفة حول الرأس تليق بالمناسبات الدينية والمهرجانات. كما تجسدت في المنحوتات و المعابد، تزينها شرائط حريرية أو تيجان ذهبية تنسدل بسلاسة أو تلف كإكليل حول الجبين.
كما لازمت شخصيات الملاحم والأساطير اليونانية؛ كأفروديت رمز الجمال وأثينا رمز الحكمة. واستقرت لدى المحاربين الإغريق قبل المعارك إشارة للروح القتالية و الهيبة.


ضفائر الهنود الحمر
بينما عند السكان الأصليين لقارة أمريكا أي الهنود الحمر، ارتبطت الجدائل ارتباطًا روحيًا وثيقًا بالأرض والتقاليد و الطقوس المهمة.
كما اختلفت معانيها من بلوغ وشجاعة وحكمة حسب طول الشعر و طريقة تشابكه، والمميز فيها أنها لم تكن حكرًا على النساء فقط. بل تم تطبيقها عند الرجال والمحاربين تعبيرًا عن الشهامة والثبات.
و لعل أكثر ما يدل على هذه الرمزية هي “فتاة لولايلاكو” من إمبراطورية الإنكا التي وجدت فوق جبال الأنديز جالسة بوضع القرفصاء بعد أن تم التضحية بها قبل 500 عام محافظة على شعرها المجدول بعناية في ضفائر محكمة. فكانت لوحة نقلت إلينا مظاهر الطقوس و التضحية و القداسة في زمن غابر.



الضفائر.. موضة عالمية وأيقونة عصرية
وانطلاقًا من هذا البعد التاريخي تحولت الضفائر إلى موضة عالمية و أيقونة عصرية في منصات العروض. كما نم إعادة إحيائها و إضافة أنماط جديدة و معاصرة كالضفيرة الفرنسية و الهولندية؛ لتصبح جسرًا يربط بين الماضي والحاضر من أعماق إفريقيا وقصور الفراعنة إلى معابد الإغريق وسهول الهنود الحمر. ذلك عبر جميع العصور ليست مجرد تسريحة لإبراز الجمال وحسب. بل تمتد لما هو أكثر كالتعبير عن التميز و الانتماء الثقافي و الاجتماعي. ويتواصل نقلها لتحافظ على أصالتها.
















