الرسم هو فن المعبر عن أجمل مظاهر الكائنات في شكل ولون؛ فبينما الشكل في ذاته يدل على كيان موجود. اللون يزيد من قوة إحساسنا بوجود هذا الشكل ويؤثر على كيانه. ويساعد اللون بقدر تنوع درجاته على إثبات الشكل وتوضيحه، وتبدو الأجسام ملونة تبعًا لمظهرها الطبيعي أو الفيزيائي.
فإما أن تكون عاكسة لأشعة الضوء أو ماصة لها، واللون الأحمر مثلًا يعكس الأشعة الحمراء الموجودة في الضوء، ويمتص الألوان الأخرى. كما أن الشمس تتولى تجميل الطبيعة حولنا من أزهار وأشجار، كذلك الفن والأدب يتوليان تجميل الحياة بصور مرئية أو مقروءة. تحمل كل جديد مبتكر بقدر مستوى التفهم الإنساني لمظاهر الطبيعة والقدرة على ترتيب درجات الألوان فيها وحسن تسميتها بأسماء يمكن قبولها.
نعومة واستثنائية الوردي
وإذا كان اللون الأحمر لون غلاب وثائر ويؤكد ذاته بشدة وقوة؛ فإن اللون البمبي. ويسمى أيضًا الوردي هو أحد درجات الأحمر المخففة في صعوده نحو اللون الأبيض. لون أخاذ ومريح للعين يفيض أنوثة دافئة ورقة ساحرة، ويوحي بالنعومة والرفاهية. ولا يستعمل فنيا ولا يتم توظيفه لغويا إلا من أجل تأكيد حالة سعادة وفرح غامرة نابعة من الشعور بحب جارف يبهج قلوب المحبين. ولذلك لا يتم ذكره في الحالات التي يشقى فيها المحبون بحبهم ، لأنه لون العشق العذب وليس العذاب.
وجاء في كتاب الفنان العالمي ليوناردو دافنشي حول صناعة الصورة الزيتية المعروف باسم trattato della pittura .أنه كان يستعمل في تركيب لون البشرة في رسوماته اللونين الأبيض والأصفر الفاتح. ولون اللاك الوردية البمبية lacca rosa وبالرغم من أنها مادة بطيئة الجفاف؛ إلا أن الضرورة الفنية لاستعمالها جعلته يحرص على أن يرضي العلم و يرضي الفن.

ونتذكر جيدًا كيف غنت الممثلة المصرية الراحلة سعاد حسني أغنيتها الشهيرة “الدنيا بمبي” في فيلم “أميرة حبي أنا” وذلك فقط بعدما وقعت في الحب. وبنفس المعنى غنت المطربة الفرنسية القديرة “اديت بياف” “la vie en rose” أي الحياة بالوردي. كلتاهما غنتا للحياة بالبمبي بكل الحب و المرح والفرح كما يفعل العصفور التغريدة.


“الوردي” يسكن جميع تفاصيل الحياة
اللون البمبي يبتكر من ذاته لون عطره، ولا ترتديه إلا الأجساد الغضة التي تثقب بدلالها رداء الليل نحو كمال المعنى سدرة المشتهى. في ظلاله الوارفة بالمعاني والرسائل تنبت الإبداعات بتلات ناضجة لها وقعها الخاص التي تذهب بنا إلى أقاصي بعيدة. هو كصيحة تنبيهية تفكك ألغاز الجو الطلسمي في غمرة تعقب الذات في رحلة ممارسة طقوس العشق. فيثير الأحاسيس الإنسانية العميقة التي وحدها تولد أكثر الألفاظ قدرة على الإثارة والإيحاء.
إنه من الألوان التي تحقق جمال المشهد ويساهم كثيرا في إحداث النقلة النوعية المؤثرة في جمالية الشكل. ويكسب النص عمقا لمغزى مضمونه. ومن لا يدرك سره فهو كانسان الكهف لست أفهم ما يمكن أن يتغنى به لامرأة من زمن الحب الحديث.
أكتوبر الوردي هو الاسم الذي اختارته الجمعيات المنظمة لحملة التوعية الدورية للوقاية من أمراض السرطان بالتشجيع على إجراء الفحوص المبكرة. ويرجع المنظمون اختيار اللون الوردي البمبي؛ لأنه خير معبر عن التضامن، ولأنه لون يشجع على الألفة ويشع أجواء الأنس الخاصة به.

وما أروع اللحظة عندما يتلقى أحدنا باقة زهور التوليب الجميلة ذات اللون البمبي المميز التي تعد الأغلى على الإطلاق بين كل الزهور. وهي لأصحاب الذوق الراقي عنوان.
كما أن هذه الأزهار تعد الهدية الرقيقة ذات اللمسة الرومانسية الرفيعة التي تمثل أسمى المعاني الإنسانية. ذلك عندما يريد المخرج السينمائي إظهار هذه المشاعر دراميا من خلال موقف عاطفي معين وتأكيدها لدى أبطال فيلمه كون اللون البمبي لون الحب غير الأناني.

تأثير اللون البمبي المهدئ
وللون البمبي تأثيره المهدئ والملطف لذلك كان اللون المفضل عند الكثيرات من مضيفات شركات الخطوط الجوية. لأنه باعث قوي على الاطمئنان في نفوس المسافرين.
إنه لون يساعد كثيرًا على الاسترخاء الرومانسي لذلك يفضله الكثير من الأزواج لطلاء جدران غرفة النوم. ويتفرد كونه يصنع الحدث من ذاته رسائل مباشرة ومفهومة دون كلمات، ولا تصنعه الأحداث أو المظاهر الطبيعة كالألوان الأخرى مثل الأحمر والأزرق والأخضر.
لذلك قلما تم تناوله في إبداعات المفكرين والأدباء صراحة، لكن جرى استخدامه عمليًا، إيحاءً وتلميحًا؛ فكانت الرسالة أبلغ من أي عبارة والمعنى أوضح لا تغنيه إشارة والتأثير أعمق وأغني من كل إفصاح.















