في خضم الكارثة الإنسانية التي تضرب قطاع غزة، تتجسد معاناة النساء والفتيات في تفاصيل دقيقة ومؤلمة تتجاوز حدود الخسائر المادية، لتطال الخصوصية الفسيولوجية والكرامة الإنسانية. الحرب الدائرة لم تسلب أرواحًا ومساكن فحسب، بل جردت المرأة من أبسط حقوقها في العناية الشخصية والأمومة الآمنة.

أزمة العناية والكرامة.. الفوط الصحية كرمز للحصار
وفقًا لـ “unfpa” أصبح البحث عن “فوطة صحية” في غزة مرادفًا للبحث عن مقومات الحياة، ورمزًا حيًا لعمق الأزمة الإنسانية. في ظل النقص الحاد وندرة المستلزمات، اضطرت النساء والفتيات، رغم حساسية الموضوع، إلى المجاهرة بحاجتهن الملحة، معبرات عن مرارة البحث في الأسواق الخاوية، حيث تباع المستلزمات القليلة المتوفرة بأثمان باهظة خارج متناول الغالبية.
هذا الحرمان يجبر النساء على اللجوء إلى بدائل غير صحية، مثل استخدام قطع قماش، مما يفقدهن النظافة والكرامة ويزيد من تعرضهن للأمراض المعدية. وتبرز هنا الحاجة المضاعفة للمرأة مقارنة بالرجل؛ إذ تتطلب نظافتها الشخصية مياهًا نظيفة ومرافق صحية خاصة ومحكمة، وهي رفاهية مفقودة تمامُا في مراكز اللجوء المكتظة والمدارس التي تفتقر حماماتها لأدنى شروط النظافة.

الأمومة تحت القصف.. ولادات بين الركام والخوف
بالاضافة إلى ذلك تتحول فترة الحمل والولادة، التي تتطلب رعاية خاصة وهدوءًا نفسيًا، إلى كابوس حقيقي. فالحوامل بالكاد يجدن الطعام ويقضين أيامهن ولياليهن على دوي الصواريخ الذي لا يتوقف.
كما تتفاقم مأساة الأمومة عندما تجرى الولادات خارج إطار المستشفيات الآمنة، أو تضطر النساء لإجراء عمليات قيصرية دون تخدير. وقد تفقد الأمهات حياتهن أو أجنتهن نتيجة النزيف الحاد أو الصدمة. وحتى من تنجو، تواجه مرحلة النفاس ورعاية الطفل في ظروف تنعدم فيها الفوط الصحية الخاصة بها وبمولودها وأدوات الرضاعة النظيفة، وهي خصوصيات بديهية مسلوبة بمرارة.
وتشير الإحصائيات إلى وضع آلاف النساء مواليدهن تحت القصف، بينما تواجه مئات الآلاف من الحائضات خطرُا مضاعفًا للنزيف الحاد بسبب مستويات الخوف والتوتر والضغط النفسي غير المسبوقة. ما يعرض حياتهن للخطر المباشر.
“ملابس الصلاة”: صمود بأثواب العفاف
في مواجهة هذا الواقع المرير، ظهرت أغلب نساء غزة وهن يرتدين “ملابس الصلاة” كزي رسمي للمقاومة والصمود. هذا الاختيار ليس ترفًا، بل ضرورة فرضتها ظروف النزوح المفاجئ والقصف المستمر. حيث تحرص المرأة على أن تنام بملابس ساترة. خوفًا من أن يباغتها القصف، فتكون محتشمة ومصانة حتى وهي شهيدة أو جريحة. هذا اللباس، الذي يجمع بين الراحة والستر والجاهزية، أصبح رمزُا للصمود الذي يحمل في طياته الاحتياط والكرامة.

إن المرأة الغزية، سواء كانت أمًا أو ابنة أو متعلمة. تواصل دورها الإنساني بتحدٍ غير مسبوق: تلد وتربي وتودع الشهداء، وتطبب الجرحى. بل وتخترع سبل العيش كخبز العجين فوق ركام منزلها المدمر. إنها تواجه حربًا لا إنسانية في استهدافها لخصوصية وكرامة البشر. إن قدرتها على التكيف والتخفيف عن أسرتها في هذه الظروف المستحيلة هو صمود خارق، لكن يبقى السؤال الإنساني الجارح: كيف يمكن للأيام أن تداوي جروح هذه المعاناة التي تجاوزت كل حدود القسوة؟



















