تتميز واحات المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، ولا سيما الأحساء والقطيف، بعمق تاريخي يتجسد في حرفها اليدوية والشعبية القديمة والتي يكون أبرزها الخوص والأواني الفخرية . ورغم إيقاع الحياة العصرية السريع، ما زالت هذه الفنون التقليدية تنبض بالحياة بفضل تمسك صناعها بها، وقد شهد العقد الحالي عودة لافتة لدمج بعض هذه العناصر، كالخوص والفخار والمقاعد الطينية، في تصميم الجلسات الخارجية والحدائق المنزلية الحديثة لتعزيز الهوية التراثية.
مصدر إلهام الحرفيين وحياة الجلسات الخارجية
تشكل النخلة الركيزة الأساسية للعديد من الحرف بالمنطقة الشرقية؛ حيث يستفاد من كل أجزائها بذكاء وابتكار:
- حرفة الخوص (السفاف): تعد صناعة الخوص، القائمة على الأجزاء اللينة من سعف النخيل، من المهن التي برعت فيها النساء تاريخيًا. وتشهد هذه الحرفة اليوم قفزة نوعية؛ حيث تجاوزت المنتجات التقليدية مثل “السفرة والقفة والحصر” لتصبح عنصرًا رئيسيًا في الديكورات المعاصرة. وتستغل المظلات والقطع المصنوعة من سعف النخيل (الخوص) لتظليل وتزيين الجلسات الخارجية، مما يضفي لمسة ريفية دافئة تمتزج بجمال الطبيعة.
- مهنة القفاص: تعتمد على جريد النخل لتصنيع أدوات حيوية وأثاث منزلي باستخدام أدوات كـ “المجوب والمنجل”، لإنتاج أقفاص الطيور، وسلال الرطب، والأسرّة التقليدية للأطفال والكبار (“المنز” و”السجم”).
- صناعة المداد: وتعرف بالمفارش، وتصنع من نبات “الأسل” الطبيعي وليف النخل لفرش المنازل والمساجد.

عودة الأواني والمقاعد التراثية
اشتهرت محافظة الأحساء منذ القدم بصناعة الفخار من الطين المحلي، لإنتاج الجرار، والمباخر، والمزهريات. ومع التوجه الحديث نحو العودة إلى الطبيعة في التصاميم البيئية، تشهد الجلسات الخارجية والحدائق عودة قوية لاستخدام الفخار كأوانٍ للنباتات أو شلالات مائية تضفي سحر خاص. ويتكامل هذا التوجه مع تصميم المقاعد الطينية أو الحجرية في الفناء الخارجي للمنازل. مستوحاة من المجالس الحساوية القديمة، لتوفر متانة ومقاومة لعوامل الطقس، وتعيد إنتاج البساطة بأسلوب هندسي مبتكر.
صناعات المعادن والأخشاب
تتنوع الحرف اليدوية في المنطقة الشرقية لتشمل مجالات مهنية دقيقة، تعكس حيوية المجتمع واحتياجاته عبر العقود:
- الحدادة وصناعة السيوف: يصنع الحداد باستخدام المطرقة والسندان و”الكير” أدوات الزراعة والخيام كالفؤوس والأوتاد. كما يبرز كبار السن في الأحساء بحرفة صناعة السيوف التراثية التي تحيى في العرضات والمناسبات.
- حياكة المشالح: تعد الأحساء الرائدة عالميًا في حياكة البشوت اليدوية الفاخرة المطرزة بـ “الزري” الذهبي والفضي. في عملية دقيقة تمر بسبع مراحل (من التركيب حتى البرداخ) وتستغرق من عشرة أيام إلى ستة أشهر.
- الخرازة وصناعة التنك: برع “الخراز” في تصنيع الأحذية الجلدية التقليدية (مثل الحساوي والشرقي) من جلود الماعز والنعام. بينما قامت مهنة “التناكة” على إعادة تدوير صفائح الحديد والقصدير القادمة من خطوط التجارة البحرية لصناعة حصالات الأطفال وصناديق حفظ الوثائق (“البروة”).

صناعة السفن والقراقير
ارتبطت القطيف والأحساء تاريخيًا بالبحر، فبرزت صناعة السفن الخشبية (التي يمتهنها “القلاف”) باستخدام خشب الساج لخلق سفن قوية مثل “البوم والسنبوك والتشوعي”، وهي حرفة تواجه اليوم خطر الاندثار نظراً لدخول المواد الحديثة. وتكاملت معها صناعة القراقير (أقفاص صيد السمك)، والتي بدأت قديماً بالاعتماد على خوص النخيل قبل أن تتحول إلى الأسلاك الحديدية لمتانتها في البحر، تاركةً الأقفاص الخوصية لتتحول إلى قطع جمالية تستخدم للزينة والديكور.

















