التمثيل الإعلامي للوسواس القهري بين الحقيقة الفعلية والتصورات النمطية

“أنا مصاب بالوسواس القهري!” عبارة أعتقد أن الكثيرين سمعوها أو قرأوها ومن المثير للدهشة أن نسمعها بهذا التكرار، خاصةً في وقت ازداد فهمنا ووعينا بالاضطرابات النفسية. فلماذا لا تزال هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة والصور النمطية حوله؟

إلى أي مدى يساهم تصوير الشخصيات المصابة بها الاضطراب في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية في ترسيخ هذه المفاهيم الخاطئة. ويؤدي إلى الاعتقاد بأنه من المقبول استخدام مصطلح “الوسواس القهري” كصفة أو سمة فكاهية؟

 مصطلح غير مفهوم بشكل كافٍ

لا يزال هذا الاضطراب غير مفهوم بشكل كافٍ لدى عامة الناس. حيث يميل معظمهم إلى وصفه إما من حيث الأفعال القهرية أو السعي إلى الكمال. عندما لا نمتلك معرفة مباشرة، نميل إلى الاعتماد على معلومات غير مباشرة مثل ما نشاهده على شاشة التلفزيون. كل هذا يؤدي إلى خطر تكوين تصورات خاطئة إذا لم يصوَّر اضطراب الوسواس القهري بدقة.

عندما نفكر في تصوير الشخصيات المصابة به في الأفلام والمسلسلات، تتبادر إلى أذهاننا شخصيات بارزة مثل “أدريان مونك” في مسلسل “مونك، وشيلدون كوبر في مسلسل “ نظرية الانفجار العظيم، وميلفين أودال في فيلم ” أفضل ما يمكن.

This may contain: a young boy walking down the street carrying a briefcase and wearing a bow tie,
شيلدون كوبر من مسلسل ” نظرية الانفجار العظيم”

مع ذلك، فإن تصوير هذه الشخصيات يعتمد في الغالب على الصور النمطية، مثل الهوس المفرط بالنظافة والتنظيم. ويصوَّر بطريقة سلبية، بل ومضحكة أحيانًا، مما يعزز وصمة المرض النفسي. وتتجلى هذه الأمثلة في الطرق التالية: 

  • التركيز على الدوافع القهرية (الشيء) دون تصوير الهواجس (السبب).
  • يستخدم مصطلح الوسواس القهري لأغراض كوميدية / فكاهية.
  • إظهار تطور الوسواس القهري بعد التعرض لصدمة أو “سبب”.
  • إظهار الوسواس القهري على أنه هوس بالنظافة أو الجراثيم أو التنظيم.
This may contain: a man holding a small dog in his right hand and looking up at the sky
ميلفين أودال من فيلم ” أفضل ما يمكن”

إظهار “ماذا” دون إظهار “لماذا”

من الانتقادات الشائعة لتصوير اضطراب الوسواس القهري في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، عرض الأفعال القهرية بمعزل عن أسبابها. فعلى سبيل المثال، قد يظهر الفيلم شخصيةً تعبر من باب عدة مرات. دون توضيح أن ذلك نابع من أفكارٍ متطفلة وأنها تقوم بهذا الفعل لمنع تحقق هذه الأفكار.

وهذا ما يجعل المشاهدين غير مدركين تمامًا لطبيعة هذا الاضطراب، فنبقى غالبًا بصورةٍ ناقصةٍ عن تجربة المصاب بالوسواس القهري. إن تصوير هذا الصراع الداخلي بصريًا أمرٌ صعب، ولعل على الكتّاب والمخرجين استكشاف أساليب سردية تضمن تصوير هذا الصراع الداخلي وشرحه.

إظهار الدوافع لتحقيق قيمة كوميدية

بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تصوَّر السلوكيات القهرية بطريقة كوميدية. ما يقلل من شأن الوسواس القهري ويوحي بأنه أمرٌ يستهزأ به. على سبيل المثال، في مسلسل “مونك”، يتورط أدريان مونك، المصاب بالوسواس القهري، في مواقف طريفة بسبب هذا الاضطراب.

وبالمثل، يصوَّر شيلدون كوبر في مسلسل “نظرية الانفجار العظيم” وهو يطرق الباب ثلاث مرات دون انقطاع. ولكن يعالج هذا الأمر أيضًا بطريقة فكاهية. مع أن هذا النوع من التصوير قد يساعد في ترسيخ فكرة التنوع العصبي.

This may contain: a man in a brown suit holding a blue bottle and white paper towel with his right hand
“أدريان مونك” من مسلسل “مونك”

إلا أن الخطر يكمن في ضياع التعاطف الحقيقي والفهم لكيفية دعم المصابين بالوسواس القهري. في حين يصوَّر هذا الاضطراب على أنه حالة غريبة.

الجانب الآخر من الاضطراب

غالباً ما تصوّر الأفلام والمسلسلات التلفزيونية الشخصيات المصابة بالوسواس القهري على أنها مهووسة بالنظافة والجراثيم والتنظيم. في الواقع، لا يعاني من هذا الجانب من الاضطراب سوى ربع المصابين تقريبًا. صحيح أن هذا الجانب منه أسهل في العرض المرئي للمشاهدين. إلا أنه يترك ثلاثة أرباع المصابين بتجربة لا تتطابق مع ما يعرض على الشاشة.

إن عدم النظر إلى الاضطراب خارج هذه الصورة النمطية يرسّخ لدى المشاهدين الاعتقاد الخاطئ بأنه مرتبط دائماً بالنظافة والترتيب. وهذا يسهم بشكل كبير في انتشار فكرة “أنا مصاب بالوسواس القهري” الخاطئة، ويعزز الاعتقاد بأن كل من يفضّل التنظيم لا بد أن يكون مصاباً به. كما يعني ذلك أيضاً أن نسبة الـ 75% الذين لا يمتلكون هذه الصفات لا يتم تمثيلهم بشكل كافٍ.

السبب والعلاج غير الصحيحين

لا تصوّر الأعمال التلفزيونية والسينمائية بدقة أسباب وعلاج الوسواس القهري. فغالبًا ما يصاب الشخص به بعد حدثٍ ما في حياته. على سبيل المثال، في مسلسل “مونك “، يؤثر بشكلٍ كبير على حياة الشخصية الرئيسية بعد مقتل زوجته.

وبينما يمكن أن يفاقم التوتر أو الصدمة النفسية في الحياة من حدة الاضطراب، إلا أن تصوير الأمراض النفسية في التلفزيون والسينما يوحي بوجود سببٍ لحدوثها ، وهو ما لا يمثل في كثير من الأحيان تصويرًا دقيقًا في الواقع.

وبالمثل، تظهر الأعمال التلفزيونية والسينمائية في كثير من الأحيان الاضطراب وكأنه “يختفي” دون أي علاج. أو في بعض الحالات يكون العلاج غير مناسب للمصابين به. في فيلم ” أفضل ما يمكن”. يتعلم البطل التعاطف والحب، وبالتالي تبدأ أعراضه بالتلاشي، مما يقدم صورةً رومانسية للشفاء.

أثر التصوير الخاطئ

يتمثل أثر ذلك في أن الصور النمطية السلبية وغير الدقيقة قد تسبب عواقب وخيمة للأشخاص المصابين. وينطبق هذا بشكل خاص على أولئك الذين يعانون من أعراض ولكنهم لم يشخصوا بعد، أو الأشخاص الذين يعيشون ويعملون مع هؤلاء الأفراد. ويمكن أن يسبب التصوير غير الدقيق ضررًا للأسباب التالية:

نقص تدريجي في التعاطف والتفهم تجاه المصابين، فإذا فهم الناس هذا المرض بشكل أفضل فمن المرجح أن يتمكنوا من تقديم دعم أكبر.

إنه يقلل من شأن الاضطراب وقد يؤدي إلى شعور الناس بعدم قدرتهم على التحدث عن تجاربهم لأنها لا تتناسب مع “المعيار” المتعارف عليه على نطاق واسع.

قد يؤدي ذلك إلى عدم رؤية الأشخاص غير المشخصين لأمثلة يمكنهم التماهي معها. مما يؤدي إلى شعورهم بالعزلة وعدم إدراكهم أنهم قد يحتاجون إلى الدعم.

يعدّ الوسواس القهري مرضًا يُساء فهمه بشدة، وقد يصعب تصوير بعض جوانبه، لا سيما الأفكار المتطفلة، بصريًا. ومع ازدياد فهمنا للوسواس القهري والصحة النفسية عمومًا، يزيد التحلي بالشجاعة والجرأة في إيجاد قصص تصوّر الصراع الداخلي والتنوع الذي يعاني منه مصاب الوسواس القهري.

من السهل جدًا التركيز على الجوانب الخارجية، والتي تبدو أكثر “إثارة للاهتمام”، لكيفية ظهور الوسواس القهري عند التفكير في قصة تلفزيونية أو سينمائية. مع ذلك، قد يكون للتصوير غير الدقيق آثار ضارة. يساعد التواصل مع الجمعيات الخيرية المعنية ومجموعات المستخدمين على ضمان تصوير الشخصيات بدقة.

الرابط المختصر :