في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا تتزايد التساؤلات حول مستقبل الخصوصية على الإنترنت، وسط تحذيرات من تحولها إلى امتياز محدود بدلًا من كونها حقًا أساسيًا.
يقول توماس بانتينغ؛ المحلل في مركز الابتكار البريطاني نيستا: “في عام 2026 أصبحت الخصوصية على الإنترنت ترفًا لا حقًا”.
بينما أشار إلى سيناريوهات مستقبلية قد تبدو أقرب إلى الخيال، مثل تبادل الأجهزة المنزلية الذكية بيانات المستخدمين مع شركات التأمين.
ورغم أن هذه التصورات ليست حتمية، فإنها تثير قلقًا متزايدًا لدى البعض. ومع ذلك يرى بانتينغ أن جيله نشأ في بيئة رقمية لم تكن الخصوصية فيها أمرًا مضمونًا.
كما أضاف أن المستخدمين “تعلموا التعايش” مع هذا الواقع، من خلال التعامل مع بياناتهم الشخصية كـ”ثمن” مقابل استخدام الخدمات الرقمية.
تراجع الاهتمام بالخصوصية
وبحسب”bbc” يشير بانتينغ إلى تجربة شخصية تعود إلى سنوات دراسته، حين لم يبد أي من الطلاب اهتمامًا باعتبار الخصوصية قيمة تستحق الحماية. ويلاحظ أن هذا التوجه لا يزال قائمًا؛ حيث يركز كثير من المستخدمين الذين يغادرون منصات التواصل على أسباب مثل إدمان الشاشات، دون أن تكون الخصوصية ضمن أولوياتهم.
هذا التراجع يثير قلق خبراء الأمن السيبراني، من بينهم آلان وودوارد؛ أستاذ الأمن السيبراني في جامعة ساري، الذي يؤكد أن الخصوصية ترتبط بشكل مباشر بقدرة الأفراد على التحكم في حياتهم.
ويطرح وودوارد تساؤلًا بسيطًا: “إذا كنتم لا تكترثون بالخصوصية، فلماذا تضعون ستائر على نوافذ غرفكم؟”، مشددًا على أن القضية لا تتعلق بإخفاء الأسرار، بل بحماية حرية التفكير والتعبير دون رقابة.
المراقبة وتأثيرها في السلوك
يرى خبراء أن الشعور الدائم بالمراقبة قد يدفع الأفراد إلى فرض رقابة ذاتية على سلوكهم. ويظهر ذلك حتى في تفاصيل الحياة اليومية، مثل: تردد البعض في التعبير عن أنفسهم بحرية خشية التوثيق أو التشهير.
ويحذر وودوارد من أن هذه الظاهرة تتجاوز السلوك الفردي، لتؤثر في حرية التعبير بشكل عام. ما قد ينعكس سلبًا على المجتمعات الديمقراطية.

بين الأدوات والانتهاكات
ورغم تحذيرات مبكرة، مثل تصريح سكوت ماكنيلي عام 1999 بأن “الخصوصية لم تعد موجودة”، فإن شركات التكنولوجيا طورت بالفعل أدوات متعددة لحماية المستخدمين، مثل: التصفح الخاص، والتشفير، ومديري كلمات المرور، وشبكات الـVPN.
لكن المفارقة تكمن في أن هذه الأدوات لم تمنع تصاعد حوادث تسريب البيانات. فبحسب بيانات شركة ستاتيستا، تأثر أكثر من 1.35 مليار شخص في عام 2024 بحوادث اختراق أو تسريب معلومات.
قوانين كثيرة وفاعلية محدودة
على الصعيد التشريعي تمتلك نحو 160 دولة قوانين تتعلق بحماية البيانات، وفقًا لشركة سيسكو. ومع ذلك يواجه المستخدمون يوميًا نوافذ طلب الموافقة على ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز)، التي أصبحت بالنسبة للبعض مصدر إزعاج أكثر من كونها أداة حماية.
وعبر إيلون ماسك عن هذا الانزعاج، منتقدًا كثرة طلبات الموافقة التي يضطر المستخدمون للتعامل معها.
وتعرف هذه الحالة بـ”مفارقة الخصوصية”. إذ يظهر الأفراد قلقًا كبيرًا بشأن بياناتهم، لكن سلوكهم الفعلي لا يعكس هذا القلق.
وبحسب استطلاع “سيسكو” لعام 2024، قال 89% من المشاركين إنهم يهتمون بخصوصية بياناتهم، بينما اتخذ 38% فقط خطوات فعلية لحمايتها.
هل الحل بيد المستخدم؟
حتى مع قراءة الشروط والأحكام، والتي يتجاهلها كثيرون، تظل البيانات عرضة للمشاركة مع عدد كبير من الجهات. ويرى منتقدون أن هذه السياسات تفقد فاعليتها عندما تكون معقدة أو غير مفهومة.
وتؤكد كاريسا فيليز؛ مؤلفة كتاب “الخصوصية قوة”، أن الحل يتطلب تدخلًا أقوى من الجهات التنظيمية، إلى جانب دور لشركات التكنولوجيا في تبسيط سياساتها.
وتشير إلى أن شعور المستخدمين بالعجز هو أحد أكبر التحديات، موضحة أن كثيرين لا يعتقدون أنهم يملكون السيطرة على بياناتهم.
بين الخيارات والتكلفة
تقدم شركات كبرى مثل ميتا أدوات لمراجعة إعدادات الخصوصية، لكنها تفرض في بعض الحالات رسومًا مقابل تقليل الإعلانات الموجهة. في المقابل تروج آبل لخصوصية منتجاتها، لكنها غالبًا ما تأتي بتكلفة أعلى.
أما منصات مثل تيك توك فاتجهت إلى توسيع نطاق البيانات التي تجمعها، مع منح المستخدمين بعض خيارات التحكم المحدودة.
ثقافة رقمية جديدة
ترى كاريسا فيليز أن حماية الخصوصية لا تعتمد فقط على القوانين أو التكنولوجيا، بل تتطلب أيضًا تغييرًا ثقافيًا، يدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات واعية بشأن بياناتهم.
وتلفت إلى أن استخدام تطبيقات أكثر أمانًا مثل سيغنال، الذي يجمع بيانات أقل مقارنة بمنافسه واتساب، يعكس هذا التوجه، رغم الفجوة الكبيرة في عدد المستخدمين بين التطبيقين.
مستقبل غير محسوم
في المحصلة لا يبدو أن معركة الخصوصية حسمت بعد. فبين تطور الأدوات، وتزايد الانتهاكات، وتباين وعي المستخدمين، يظل مستقبل الخصوصية الرقمية مفتوحًا على عدة احتمالات، تتوقف إلى حد كبير على القرارات التي يتخذها الأفراد، إلى جانب سياسات الشركات والتشريعات الحكومية.
















